مشروع توسعة أوتوستراد جونية: تكرار مملّ لسياسات فاشلة
- Ali El Zein - علي الزين

- Jan 5
- 13 min read
نُشر في المفكرة القانونية : 22/12/2025
مشهدان متناقضان حصلا الأسبوع الماضي قد يشكّلان خير تصوير لسياسة الدولة اللبنانية تجاه قطاع النقل. بضع ساعات فقط فصلت بين استقبال وزير النقل باصات نقل مشترك مستعملة عبارة عن هبة من دولة قطر وطلبه المزيد وعقده لقاء بخصوص توسعة أوتوستراد جونية سيتمّ فيه تبديد عشرات ملايين الدولارات على بنى تحتية إضافيّة للسيارة، رغم عدم فعالية هذا الخيار وتخمة الطرقات في لبنان.
كمعظم المشاريع المطروحة، يُطرح مشروع توسعة أوتوستراد جونيه كحلّ لأزمة السير، فيما تشير المعطيات والتجارب السابقة في لبنان والخارج أن توسعة الطرق قد لا تؤدّي بالضرورة إلى انخفاض دائم في الازدحام، بل قد تجعله أسوأ حتى. يستند هذا التحذير إلى مفهوم علمي معروف في أدبيات النقل الحضري ب “الطلب المحفَّز”، بالإضافة إلى تجارب دولية متعددة تشير إلى محدودية الفوائد طويلة الأجل لتوسعة البنى التحتية المخصّصة للسيارات الخاصة بشكل عام.
خلفية المشروع وكلفته وتمويله
يعتبر مشروع توسعة أوتوستراد جونية (عند المدخل الشمالي لبيروت) مثالًا صارخًا على النهج الارتجالي في سياسات النقل اللبنانية. طُرح هذا المشروع منذ عام 2006 وظلَّ مدرجًا على جداول أعمال الحكومات المتعاقبة من دون تنفيذ. في عام 2016، أُعلن عن تمويل المشروع عبر قرض من البنك الأوروبي للاستثمار بقيمة 70 مليون يورو، كما خُصِّصت اعتمادات بحوالي 35 مليون دولار لمجلس الإنماء والإعمار لإتمام عملية الاستملاك وشراء العقارات اللازمة للتوسعة. وكان من المتوقع أن ينتهي المشروع في السنوات اللاحقة، لكن بعد مرور سنوات وتأخر التنفيذ (طبعًا ليس بسبب التحركات الشعبية في 2019 كما يحلو للتيار الوطني الحر التصوير)، وأُلغي قرض البنك الأوروبي، ليعود المشروع مجددًا إلى الواجهة في 2025 بتمويل محلي. فقد أعلنت لجنة الأشغال النيابية تأمين 40 مليون دولار من ميزانية وزارة الأشغال لإطلاق أعمال التوسعة فيما تقدّر الكلفة الاجمالية بأكثر من 60 مليون دولار. وُصف هذا التحرك بأنه “إنجاز تاريخي”.
هذه الأرقام الكبيرة تطرح تساؤلات حول جدوى إنفاقها على توسيع طريق، في حين كان بالإمكان توظيف مبلغ كهذا في بناء نظام نقل عامّ فعّال. فلو وُجِّهت هذه الاستثمارات نحو شراء أسطول حديث من الحافلات وإنشاء خطوط نقل مشترك منظم، لربما أدّت إلى تحسين حقيقي ومستدام في خدمة النقل لمعظم المواطنين. على سبيل المثال، قرض الـ70 مليون يورو كان يكفي لشراء عشرات الحافلات وتشغيلها ودعم بنيتها التحتية، أو حتى الشروع بتنفيذ خط نقل سريع بالحافلات. على نفس المسار الذي يُفترض توسعته.
وهنا تجدر الإشارة إلى أنه في 2019 أقر البرلمان اللبناني مشروع قرض بقيمة 295 مليون دولار من البنك الدولي لإقامة خط باص سريع بين بيروت وطبرجا وشبكة نقل عام ضمن بيروت وكان من ضمن شروط تنفيذه توسعة الأوتوستراد بحيث يخصص حارات لسير الباصات السريعة. في 2022 تم الغاء القرض من قبل البنك الدولي لعدم قيام الجهات المعنية في لبنان بأي اجراء جدّي لناحية البنى التحتية المخصصة للباص السريع ومن ضمنها توسعة الأوتوستراد. إذا التوسعة كان هدفها الأساس تسهيل مرور نظام نقل مشترك حقيقي وفعال لا المزيد من السيارات.
مشروع توسعة الأوتوستراد مرده الأساسي، بحسب مريديه، هو زحمة السير الخانقة. من ضمن الأسباب المباشرة لتلك الزحمة، بالإضافة إلى الاعتماد المفرط على السيارة في تنقلاتنا وغياب بدائل فعّالة كما التمدد العمراني وعوامل أخرى، هو أن الأوتوستراد خسر أساسًا وظيفته الأساسية كطريق ليصبح “سوقًا تجاريًا”، حيث العشرات من المحال لديها وصول مباشر على الأوتوستراد، كما العديد من المخارج والمداخل للبلدات المحيطة فيه. هذه التعديات لم تنشأ من فراغ، بل هي في جوهرها نتيجة مباشرة للحرب الأهلية اللبنانية التي خلخلت مفهوم التخطيط الحضري والقانوني. خلال سنوات الحرب وما تلاها من غياب فعلي لسلطة الدولة، توسعت الأبنية العشوائية وتكاثرت المحال التجارية من دون أي مراعاة لحرمة الطرق العامة أو لوظيفتها الأساسية. ومع الوقت، ترسّخت هذه المخالفات وتحوّلت إلى أمر واقع، محميّ اجتماعيًا وسياسيًا، رغم أنها تشكّل اختناقًا يوميًا لحركة المرور وتشوّه البنية التحتية. أمّا المداخل والمخارج فهي تأتي نتيجة عقلية الزبائنية التي اتّبعتها الأحزاب حيث كل مدخل نحو بلدة من الأوتوستراد هو إرضاء لسكانها وتسهيل لحياتهم ولو على حساب المصلحة العامة.
وفيما الحلّ الأمثل لهذا الواقع يكمن في مواجهته جذريًا، عبر على الأقل إلغاء الوصول المباشر إليها من الأوتوستراد، فضلّت الجهات المعنية التطبيع معه وترقيعه. أما ما يُطرح حاليًا من حلّ، كإبقاء هذه المحال واستحداث مداخل ومخارج كل 500 متر لتأمين الوصول إليها، فهو ليس إلا محاولة لتجميل الأزمة لا حلّها. إنه في حقيقته رضوخ لمصالح قلة من المستفيدين على حساب الأغلبية من المستخدمين الذين يدفعون ثمن الزحمة. وبالمناسبة، هذه الظاهرة ليست محصورة بأوتوستراد جونية، بل تتكرر بوتيرة متسارعة على أوتوستراد الجنوب ابتداء من خلدة، حيث تنمو محال جديدة، مما يعزز الزحمة.
على صعيد أخر، الحالة على أوتوستراد جونية ليست مجرّد مشكلة محلية في كسروان، بل تمثّل حلقة مفصلية في الشريان الساحلي الذي يربط شمال لبنان بوسطه وجنوبه. إن الإصرار على معالجات ترقيعية كهذه لا يؤدي فقط إلى فشل تقني في الحدّ من الازدحام، بل يُكرّس أيضًا فصلًا وظيفيًا وجغرافيًا بين المدينتين الرئيستين في البلد، أي طرابلس وبيروت. فكلّ من يسلك الطريق يوميًا من الشمال إلى العاصمة يواجه مشقّة لا تليق بمفهوم الربط الوطني، وكأن طرابلس، والشمال عمومًا، جزيرة معزولة تحتاج إلى سفرٍ شاقٍ للوصول منها وإليها، فيما الواقع يقول أنها على مسافة قريبة نسبيًا من بيروت وكانت لتكون رافدة لها كمثال مدينتي مارسيليا وايكس أون برونفس أو ليون وسانت إيتيان أو باريس ومحيطها في فرنسا. هذا الواقع ليس مجرّد نتيجة ازدحام عرضي، بل ترجمة ملموسة لغياب إرادة التخطيط الوطني المتكامل، حيث تُترك منطقة الشمال تحت عبء تنقّل مرهق ومعزول لأسباب تافهة. وهكذا، فإنّ سياسة الإبقاء على أوتوستراد الشمال في حالته الراهنة أو ترقيعه بطرق ترضي أصحاب المصالح كالاكتفاء بتوسعته دون حلّ العقد البنيوية، تساهم في إعادة إنتاج الهامشية الممنهجة التي تعاني منها طرابلس.
الاتفاق على سياسة الزفت
قبل الغوص في المضمون لا بدّّ من الإشارة إلى أنه من اللافت أن ما فرقته السياسة جمعته سياسة “الزفت” حيث ان مختلف الأفرقاء اتفقوا على سياسة توسعة الأوتوستراد من الوزير المسمَى من الحزب الاشتراكي إلى حزب الله والتيار الوطني الحر والقوات اللبنانية فيما لم تظهر أي أحزاب أخرى معارضة جدية. الحالة الوحيدة التي سجّلت سياسيًا بوصفها معارضة للمشروع أتت من معلومات صحفية حول أن رئيس اتحاد بلديات كسروان الياس بعينو يعارضه كونه ينهي الطريقين الجانبين في ذوق مكايل وبالتالي خسارة مساحات واستثمارات، إذا ذلك ناتج عن عقلية مضارب عقاري لا شخص ملزم قانونًا بتأمين تنقلات أفضل للناس.
هذا النفاق مفهوم فتركيبة النظام الطائفي ليس بمقدورها أن تنتج أفضل من ذلك فيما خص تأمين خدمة عامة. ولكن هل مستعد الوزير والأطراف السياسية التي دعمت هذا المشروع أن يتم يومًا ما محاسبتهم قضائيًا على هدر المال العام أو أقله محاسبتهم شعبيًا على ذلك بحال أثبت خيار توسعة الأوتوستراد فشله، كما حال معظم الخيارات في قطاع النقل منذ نهاية الحرب أقله؟
مفارقة الهبات الخارجية مقابل الإنفاق المحلي
تتجلّى المفارقة بوضوح في واقع أن لبنان يعتمد على هبات خارجية لتعزيز النقل المشترك، فيما يصرف عشرات الملايين من موارده المحدودة على مشاريع توسعة طرق لصالح السيارات الخاصة. فقد قدّمت فرنسا في عام 2022 هبة عبارة عن 50 حافلة للنقل العام إلى الدولة اللبنانية، وتلتها الأسبوع الماضي هبة أخرى من قطر تضمنت 30 حافلة إضافية مع وعود هبات إضافية من دول اخرى. هذه الحافلات وُضعت في الخدمة لتعزيز شبكة باصات النقل المشترك داخل بيروت وبينها وبين المناطق، في محاولة محدودة جدًا ومتأخرة لسد فجوة غياب النقل العام. ومع ذلك، يستمرّ نهج السلطات في تفضيل مشاريع الطرق على حساب النقل الجماعي. فبدل أن تستثمر الأموال العامة في شراء وتشغيل الحافلات أو تطوير البنية التحتية للقطارات ووسائل النقل المشترك، نراها تُوجَّه لتوسعة الأوتوسترادات حيث تسير السيارات الخاصة.
هذا التناقض يثير التساؤل: كيف تقبل الدولة هبات الباصات من الخارج لتعويض تقصيرها الداخلي، ثم تقوم في الوقت نفسه بإنفاق ما يفوق قيمة تلك الهبات بعشرات المرّات على بنى تحتية تُغذّي ثقافة الاعتماد على السيارة الخاصة؟ المحصّلة هي نظام نقل هجين ومفكك: بضعة باصات عامة ممنوحة كهبات تعمل بشكل خجول ضمن منظومة غير منظمة، مقابل شبكات طرق واسعة تخدم المركبات الخاصة وتعاني من اختناقات مرورية خانقة. علمًا أن قطاع النقل المشترك لم يكن يومًا أولوية لدى صانعي القرار. وبالتالي، حتى الهبات الأجنبية تُواجه خطر الفشل في غياب رؤية شاملة لتنظيم هذا القطاع وتحديثه. إن إنفاق الأموال المحلية على مشاريع تُكرّس الاعتماد على السيارات الخاصة، بينما يأتي تطوير النقل العام كنتيجة مبادرات خارجية، لهو دليل على تخبط السياسات وغياب التوجه الاستراتيجي الواضح.
مفهوم “الطلب المحفَّز” وتبعات توسعة الطرق
من أبرز الانتقادات العلمية لمشاريع توسعة الطرق أنها تخضع لظاهرة “الطلب المحفَّز[1]“، أي أنه عند زيادة العرض من سلعةٍ ما ينمو الطلب عليها تبعًا لذلك. في حالة النقل، يعني هذا المفهوم أن زيادة القدرة الاستيعابية لشبكة الطرق (من خلال توسعة طريق أو إنشاء طريق جديد) تؤدي إلى زيادة في حركة السير لأن السائقين يستغلّون التحسّن المؤقت في الانسيابية للقيام بمزيد من الرحلات أو قطع مسافات أطول. وبمرور الوقت، يمتصّ الطلب الجديد أي انخفاض أولي في الازدحام، مما يعيد الاختناقات المرورية إلى سابق عهدها وربما بشكل أشدّ. بعبارة أخرى، تخلق الطرق الموسّعة المزيد من الحركة بدل أن تستوعب الحركة القائمة فقط. وقد أثبتتْ دراسات مرورية عديدة هذه الظاهرة عبر علاقة طردية شبه مثالية بين توسعة شبكات الطرق وازدياد حركة المركبات. ففي مراجعة لمنهجيات ودراسات متعددة، قدّر باحثون أن مرونة الحركة المرورية بالنسبة لزيادة سعة الطرق تتراوح بين حوالي 0.6 إلى 1.0 على المدى البعيد أي أن كل زيادة بنحو 10% في قدرة الطريق تستجلب ارتفاعًا في حجم السير يتراوح بين 6% و10% بعد عدة سنوات. وعلى الرغم من تفاوت النماذج والتجارب، تتفق غالبية الدراسات على وجود تأثير ملحوظ يجعل من الصعب الحفاظ على أي تحسن مروري مؤقت نجم عن مشاريع التوسعة – أي أن زيادة العرض تولّد طلبًا مساويًا له. بمعنى آخر، “القانون الأساسي للازدحام المروري” يفيد بأن أيّ قدرة إضافية يستحدثها المهندسون سرعان ما تملؤها سيارات جديدة. لفهم آلية ذلك، يجدر شرح كيف يستجيب السائقون لتوسعة طريق مزدحم. يشير الخبراء إلى عوامل عدّة تؤدّي لهذا الأثر المحفَّز بعد زيادة عدد المسارب أو فتح أوتوستراد جديد:
زيادة الرحلات والمسافات: عندما تقل زحمة السير مؤقتًا وينخفض وقت التنقّل، يُغري ذلك الناس بالقيام برحلات أكثر أو بالسكن والعمل على مسافات أبعد طالما أن القيادة أصبحت أسهل وأسرع. أي أن نقص وقت الرحلة يتيح للسائقين قطع مسافات أطول وزيادة عدد المشاوير اليومية من دون شعور بالتعب نفسه كما قبل التوسعة.
استقطاب مستخدمين جدد للطريق: الطريق الأسرع سيجذب سائقين آخرين كانوا يتفادونه سابقًا أو يستخدمون طرقًا بديلة. الآن سينتقل هؤلاء إلى الأوتوستراد الموسّع لأنه بات أكثر راحة وانسيابية، مما يضيف حمولة مرورية جديدة.
تراخي السائقين في أوقات الانطلاق: قبل توسعة الطريق، قد يضطر الكثيرون للانطلاق مبكرًا جدًا لتفادي الذروة. بعد التوسعة، يشعر السائقون براحة زائفة ويؤخرون مواعيد خروجهم ظنًا أن الطريق سيبقى سالكًا، فيحدث أن تتزامن انطلاقاتهم مجددًا وتتركز حركة المرور في أوقات الذروة معتّقة الاختناقات.
توسع عمراني وتمدد حضري: الطرق السريعة تشجع على انتشار الضواحي وتمدد المناطق السكنية بعيدًا عن مراكز المدن، كما يحصل على طول الأوتوستراد الشمالي او الجنوبي. فوجود أوتوستراد واسع يعني إمكانية السكن على مسافات أبعد بأسعار أرخص، مما يؤدي إلى نمو عمراني أفقي. هذا التمدد يخلق بدوره المزيد من الطلب على التنقل يوميًا لمسافات أطول، ويزيد اعتماد السكان على السيارات الخاصة مع كل ما ينتجه ذلك من خسائر على المجتمع وضغط على ميزانية الأسر.
ارتفاع اعتماد المجتمع على السيارة: مع كل توسعة طريق، يترسخ نمط التنقل بالسيارة على حساب البدائل. تتضاءل جدوى الاستثمار في النقل العام أو تنظيمه طالما الحلّ الأسهل الظاهري هو استخدام الطريق الخاص. وهكذا يصبح المجتمع أكثر ارتهانًا للمركبات الخاصة، ما يعزز ثقافة السير بالسيارة لكل غرض.
نتيجة هذه العوامل، سرعان ما تعود الزحمة إلى ما كانت عليه بعد فترة وجيزة من انتهاء أعمال التوسعة. بل قد يصبح الوضع أسوأ من قبل. شهدنا أمثلة دولية واضحة: أوتوستراد كاتي في مدينة هيوستن الأميركية وُسِّع في 2011 ليصبح 26 مسربًا (أعرض طريق في العالم)، لكن خلال ثلاث سنوات فقط ارتفع متوسط زمن الرحلة في ساعة الذروة صباحًا بنسبة 30% ومساءً بنسبة 55% عن السابق. هذا المثال يثبت أن توسعة الطرق قد تؤدي فعليًا إلى تفاقم الازدحام بدل تخفيفه، نتيجة الطلب المحفز. تجاهل هذه الحقيقة المثبتة بالتجارب الدولية هو ثغرة كبرى في التخطيط لو اعتُمد على التوسعة كحل وحيد. حتى على الصعيد المحلي الأمثلة كثيرة حول البنى التحتية المستحدثة التي كلّفت الملايين بحجة تقليل زحمة السير فيما نراها اليوم نقاطا مزدحمة.
لم تعد فرضية الطلب المحفّز مجرد نظرية، بل أصبحت حقيقة موثقة عبر العديد من التجارب الدولية ودراسات ما بعد التنفيذ لمشاريع توسعة الطرق. جدير بالذكر أيضًا أن الوجه الآخر لظاهرة الطلب المحفّز هو ما لاحظه باحثون عند تخفيض القدرة الاستيعابية للطرق أو فرض قيود على استخدام السيارات: حينها ينخفض إجمالي الطلب الفعلي على الحركة لأن بعض الرحلات تختفي أو تنتقل إلى وسائل نقل بديلة.
إذا، في حالة أوتوستراد جونية، يُتوقع أن يحدث نمط مشابه إن لم تُتخذ خطوات مكملة: قد يشعر السائقون براحة مبدئية عند افتتاح المسارب الإضافية، لكن سرعان ما سيزداد عدد السيارات المارة وعدد الرحلات الطويلة على هذا الخط الرئيسي، ليعود الاختناق من جديد خلال سنوات قليلة. وعندها ستكون عشرات الملايين قد أُنفقت فقط لنقل المشكلة بضعة سنوات إلى الأمام من دون حل جذري. التجارب العالمية والأرقام واضحة، لكن القرارات المحلية كثيرًا ما تتجاهل الدراسات الجدية وتغيب عنها الحسابات العلمية لنتائج هكذا مشاريع.
عدم فعالية التوسعة في ظل الأزمات الماليّة والاقتصادية
حتى لو نحّينا جانبًا مسألة الطلب المحفَّز، فإن توسعة البنى التحتية للسيارات الخاصة تبدو خيارًا غير فعّال في سياق بلد كلبنان يرزح تحت أزمات مالية واقتصادية وهيكلية خانقة. لبنان اليوم يعاني من إفلاس الدولة وانهيار العملة وندرة الموارد المالية العامة؛ فالأولوية ينبغي أن تكون لأي إنفاق استثماريّ من شأنه أن يُحقق أقصى عائد اجتماعي واقتصادي ممكن. من هذا المنطلق، يصعب تبرير إنفاق عشرات ملايين الدولارات على مشروع أوتوستراد لن يقلّل سوى قليلًا من وقت التنقل لبضع سنوات، مقابل تجاهل حلول النقل العام التي يمكن أن تخفف الأعباء عن ملايين المواطنين لمدى أطول وبكلفة تشغيلية أقل على الاقتصاد ككلّ.
هناك عدة زوايا تُبرز عدم جدوى التركيز على البنية التحتية للسيارات الخاصة في لبنان حاليًا:
كلفة الفرصة البديلة: في ظل شُح التمويل، كل دولار يُنفق على الأوتوستراد هو دولار يُحرم منه قطاع النقل العام أو قطاعات حيوية أخرى. لبنان بأمسّ الحاجة إلى شبكات حافلات حديثة أو سكك حديدية. إنفاق 40-70 مليون دولار على توسيع طريق يثير التساؤل حول الأولويات، خاصة بحال كان هذا المبلغ يمكن أن يحدث نقلة نوعية في منظومة النقل العام كما أسلفنا.
عبء على المواطنين والاقتصاد: تشجيع المزيد من السيارات عبر توسعة الطرق يعني استمرار ارتفاع استهلاك الوقود المستورد بالعملات الصعبة، مما يفاقم العجز التجاري والضغط على الليرة. كما يعني تكاليف إضافية على الأسر اللبنانية التي تجد نفسها مضطرة لاقتناء السيارات وصيانتها ودفع ثمن الوقود المرتفع. في المقابل، توفير نقل عام فعّال سيخفف من هذه الأعباء المعيشية المباشرة على المواطنين.
صيانة واستدامة المشروع: إنشاء بنية تحتية جديدة يتطلب أيضًا القدرة على صيانتها وتشغيلها بكفاءة. هل يستطيع لبنان في ظل أزمته ضمان صيانة الأوتوستراد الموسَّع وإدارة حركة المرور عليه بكفاءة؟ التجربة تشير إلى صعوبة ذلك، إذ تكافح الدولة حتى في صيانة شبكة الطرق الحالية المتهالكة. مشاريع الطرق الكبرى قد تتحول إلى أعباء مستدامة ما لم تكن هناك قدرة مالية وتقنية مستمرة لإدارتها.
التأثيرات البيئية والصحية: تكريس استعمال السيارات يعني استمرار التلوّث المرتفع في هواء المدن. قطاع النقل هو أحد أكبر مسببي انبعاثات الغازات الملوثة في لبنان، وهذا له كلفة صحية وبيئية جسيمة. توسعة الأوتوستراد من دون بدائل نقل نظيفة يعني المزيد من التلوّث وانتشار الضوضاء في المناطق المحيطة.
محدودية التأثير التنموي: في دولة مأزومة اقتصاديًا، المشاريع الاستثمارية ينبغي أن تحفّز النمو وتخلق فرص عمل مستدامة. التوسعة قد توفر بعض الوظائف المؤقتة خلال التنفيذ، لكنها لا تبني أساسًا متينًا لنشاط اقتصادي جديد أو دائم. بعكس ذلك، تطوير النقل العام (كإنشاء شبكة باصات أو قطارات خفيفة) يمكن أن يخلق وظائف مستدامة في التشغيل والصيانة، ويسهّل تنقل القوى العاملة ويساهم في تحسين إنتاجيتها يوميًا عبر تقليل الوقت الضائع في الزحمات.
إن الاعتماد شبه الكامل على السيارات الخاصة في لبنان أصبح غير مستدام بشكل متزايد، حسب تحذير صادر عن البنك الدولي نفسه. فمع ارتفاع معدلات الفقر وتكاليف تشغيل السيارات (وقود وصيانة) بات هذا النمط من التنقل عبئًا لا يمكن مواصلته. لقد ازدهرت ثقافة اقتناء السيارة في العقود الماضية في ظل غياب نقل عام شامل منذ نهاية الحرب الأهلية، لكن البلاد دخلت منذ 2019 في أزمة أفرغت جيوب المواطنين وجعلت كلفة السيارة خاصة (شراء أو بنزين) فوق طاقة الكثيرين. وفي حين اضطر الكثير من اللبنانيين إلى الاستغناء عن سياراتهم أو استخدامها بأقل قدر ممكن بسبب أسعار المحروقات، لا يزال البديل العام غائبًا في معظم المناطق. لذلك تبدو أي سياسة تكرّس الاعتماد على السيارة الخاصة بمثابة هروب إلى الأمام وتجاهل للواقع الجديد. إن توسعة أوتوستراد جونية قد تزيد عدد السيارات المارة عليه، لكنها لن تعالج أصل المشكلة المتمثلة في غياب خيارات نقل أخرى ميسورة وموثوقة. وفي ظروف لبنان الراهنة، هذا الحل الوهمي سيبدو كمن “يُضيء الشموع في مهبّ الريح” – سرعان ما ينطفئ أثره أمام رياح الأزمة والطلب المحفز.
غياب الدراسات الجدية والافتقار إلى سياسة نقل وطنية
يكشف إقرار مشروع توسعة أوتوستراد جونية دون نقاش عام شفاف حول الجدوى منه عن خلل في عملية صنع القرار. فهل قُدِّمت دراسات حديثة تقارن بين كلفة وفائدة هذا المشروع وبين بدائل أخرى (كنظام باص سريع على نفس المسار مثلًا)؟ وكيف جرى تقدير أن التوسعة ستخفف فعليًا من الازدحام، في حين تُظهر الأرقام الدولية والتجارب عكس ذلك؟ يبدو أن هناك تجاهلًا للأرقام والتجارب العالمية عند اتخاذ قرارات كهذه، وربما الاتكال على حلول تقليدية ثبتت محدوديتها. فالمسؤولون يُرجعون أزمة السير إلى ضيق الطريق وكثرة السيارات فحسب، مقترحين التوسعة كعلاج سحري، من دون الالتفات إلى أن بلدانًا عديدة جرّبت هذا العلاج وانتهت إلى تفاقم الداء كما رأينا.
يضاف إلى ذلك غياب سياسة نقل وطنية مستدامة تُرشد هكذا قرارات. في الدول التي تواجه تحديات مشابهة، عادة ما توضع خطط شاملة للنقل تأخذ بعين الاعتبار التكامل بين مختلف وسائل النقل (طرق، سكك حديد، باصات، مشاة ودراجات هوائية…) وتحدد أهدافًا واضحة لتخفيف الازدحام بأساليب مستدامة. أما في لبنان، فالرؤية الرسمية لقطاع النقل مشتتة ومتخبطة بين وزارات ومجالس متعددة، وتخضع أحيانًا لاعتبارات سياسية أو مناطقية بدلًا من الاستناد إلى دراسات علمية. لا توجد خطة وطنية حديثة للنقل تُلزم الحكومات المتعاقبة باتباع نهج مستدام؛ بل إن القرارات تأتي متفرقة ومجتزأة.
مشروع توسعة الأوتوستراد اتُّخذ بمعزل عن أي تصور لكيفية إدارة الطلب على النقل في الساحل الكسرواني – فلم نسمع عن خطة موازية لضبط نمو عدد السيارات أو تحسين النقل العام في تلك المنطقة بالتزامن مع التوسعة. كما لم نشهد نقاشًا عامًا مبنيًا على بيانات: كم عدد السيارات المتوقع إضافتها بعد التوسعة؟ ما الازدحام الذي سيبقى حتى بعد زيادة المسارب؟ كلها أسئلة لم تطرح أو عللى الأقل لم تحظََ بأي إجابة علنية عنها. هذا الواقع يعكس نهجًا اعتباطيًا في رسم سياسات النقل. فبدلًا من الاستناد إلى الأبحاث وإلى تجارب المدن الأخرى لوضع حلول متكاملة، يجري التعاطي بردّ فعل آني تحت ضغط الرأي العام الذي يئن من زحمة السير. وعندما تُتخذ القرارات بهذا الشكل، تُهمَل الآثار الجانبية الواضحة ويتكرر هدر الأموال على مشاريع محدودة الأثر.
لقد طالب خبراء ومهتمون مرارًا بإعداد خطة نقل شاملة للبنان، تُشارك في صياغتها المؤسسات الأكاديمية والفنية وتستفيد من دعم هيئات دولية، لكن التنفيذ بقي غائبًا. والنتيجة أننا أمام قطاع نقل عشوائي: بنى تحتية غير مكتملة، مشاريع مجمدة، غياب أي نظام نقل عام منتظم، وفوضى نقل خاص (كالفانات والسرفيس) تملأ الفراغ. في ظل هذا التخبط، جاء مشروع توسعة أوتوستراد جونية ليظهر كنموذج عن قرارات تُتّخذ بمعزل عن رؤية طويلة المدى، وتجاهل لإحصاءات تشير بوضوح إلى عدم فعاليته.
نحو حلّ مُستدام: الاستثمار في النقل العام وتقليل الحاجة للسيارات
إن الحلّ الجذري لأزمة النقل في لبنان لا يكمن في زيادة القدرة الاستيعابية للطرق للسيارات الخاصة، بل في تقليل الحاجة أصلاً إلى استخدام السيارات عبر توفير بدائل نقل عام جذابة وموثوقة. بدلاً من إضافة مسارب جديدة لأوتوستراد مزدحم سيرتفع عليه الطلب تلقائيًا، ينبغي التركيز على امتصاص ذلك الطلب بنظام نقل عام فعّال يقلّل عدد السيارات على الطريق من الأساس. فإذا تمكن عشرات الآلاف من يوميًا من استخدام حافلات سريعة ومريحة أو قطارات خفيفة للوصول إلى أعمالهم، فإن حركة المرور ستخف تلقائيًا على الأوتوسترادات القائمة من دون حاجة لتوسعته بتاتًا.
لذلك، الحلّ يكمن في الاستثمار الذكي والمستدام في النقل المشترك: شراء المزيد من الحافلات وتشغيلها وفق جداول زمنية منتظمة، إنشاء أولًا مسارات خاصة للباصات (أو حتى ترامواي أو قطار ضواحي حيث أمكن فيما بعد) لضمان تحركها بسرعة دون التعثر بزحمة السيارات، تطوير تطبيقات وأنظمة دفع رقمية لتسهيل استخدام المواطنين لها، وصيانة هذه المنظومة باستمرار. مثل هذا الاستثمار سيؤتي ثماره عبر تخفيف كلفة التنقل عن المواطنين، وتقليص فاتورة استيراد المحروقات، وخفض التلوث، فضلًا عن تقليل الازدحام والوقت الضائع الإنتاجي يوميًا. لا شكّ أن توفير نقل عام شامل ومكثف هو الحل الأنسب لمعضلة الازدحام. بدون منظومة نقل مشترك فعالة، سيظلّ أي توسيع لطريق رئيسي حلًّا مؤقتًا سرعان ما يُبتلع أثره.
أما تقليل الاعتماد على السيارة الخاصة، فلن يتحقق إلا عندما يجد الفرد أمامه خيارًا عامًا موثوقًا يغنيه عن قيادة سيارته في كل تنقل يومي. إن صياغة سياسة نقل وطنية مستدامة باتت ضرورة ملحّة في لبنان المنهك. هذه السياسة يجب أن تقوم على إعطاء أولوية قصوى للنقل العام بكافة أشكاله، وتنظيم استخدام المركبات الخاصة عبر إجراءات مثل تحسين التفويج المروري، وربما التفكير في سياسات كفرض رسوم ازدحام أو رسوم على مواقف السيارات في مراكز المدن أو حتى الغاءها تمامًا لردع الاستخدام المفرط للمركبات. كذلك ينبغي دمج تطوير النقل العام مع سياسات التنمية العمرانية والإقليمية، بحيث نقلّل الحاجة أصلاً إلى التنقل لمسافات طويلة عبر خلق توازن تنموي بين المناطق.
في الختام، يمثل مشروع توسعة أوتوستراد جونية جرس إنذار حيال نهج التعامل مع أزمات النقل في لبنان. فبدل الاستمرار في دائرة مفرغة من توسيع طرق ثم ازدحام ثم توسيع جديد، تحتاج البلاد إلى كسر هذه الحلقة عبر تبنّي رؤية نقل جديدة: قوامها ناس أقل في السيارات، ومواصلات عامة أكثر كفاءة. لقد أثبتت التجارب العالمية أن الاستثمار في النقل المشترك هو الطريق الأنجع لجعل المدن قابلة للحياة والحركة، أما الارتهان لحلول الإسفلت وحدها فلم يعد يجدي. لبنان، بأزماته المركّبة، أحوج ما يكون إلى نقلة نوعية في تفكير مسؤوليه تجاه قطاع النقل – نقلة تعترف بأن المستقبل للتنقل المستدام، وأن الأموال العامة يجب أن تُنفق حيث تأتي بأفضل منفعة عامة، لا حيث يبدو الحل الأسهل قصير المدى. السياسة الرشيدة للنقل هي تلك التي تقلل اعتماد المواطن على سيارته من دون أن تنتقص من حقه بالتنقل المريح، وهذا بالضبط ما يتطلبه الحال اليوم للخروج من نفق أزمات السير المزمنة. ومن الواضح أن الحلّ المرضيّ والناجع لا يقوم على توسيع أوتوستراد جونية، بل على بناء منظومة نقل عام عادلة وعصرية تقلّل الازدحام من مصدره وتضع لبنان على مسار أكثر استدامة في قطاع النقل.







Comments