top of page

ماذا يعني قرار الحكومة فرض رسم على صفيحة البنزين؟الناس يدفعون ثمن فشل سياسات النقل

  • Writer:  Ali El Zein - علي الزين
    Ali El Zein - علي الزين
  • Feb 17
  • 8 min read

Updated: Apr 24


أعلنت الحكومة اللبنانية الإثنين 16 شباط فرض رسم على صفيحة البنزين قدره 300 ألف ليرة من أجل تمويل تسديد مبالغ إضافية لفئات من الموظفين العامين. يعلّق الخبير في سياسات النقل علي الزين على هذا الإجراء. وإذ يذكّر أنّ استخدام السيارة الشخصيّة ليست خيارًا بل إكراه فرضه فشل الدولة في تأمين شبكات النقل المشترك، فإنّه يعدّ تكليف المواطنين بهذا الرسم الإضافي إنّما يعني تدفيعهم ثمن فشل الدولة في ضمان حقوقهم ويدخل ضمن إجراءات “الجباية على استهلاك قسري”، وهي نموذج عن اللاعدالة (المحرّر).

عندما تُرفع الضريبة على البنزين في بلدٍ يعتمد فيه معظم الناس على السيارة “بالإكراه” لا “بالاختيار”، لا يعود القرار مجرّد إجراء ماليّ. هو قرارٌ يمسّ حياة الناس اليومية، ويكشف منطقًا أعمق: الدولة لا تتعامل مع النقل بوصفه خدمة عامّة يجب تطويرها، بل فرصة جباية من مواطنين محاصرين بلا بدائل. وبينما قد يبدو ذلك “حلًا محاسبيًا” في الظاهر، إلّا أنّه يحمل مشكلات كبرى أبرزها السياسة التشجيعية على السيارة الخاصّة، غياب العدالة بين المواطنين، وانعدام الاستدامة المالية.

للأسف، لا تأتي زيادة الضرائب على البنزين (والضريبة على القيمة المضافة)، كما في كلّ مرّة سابقة، لأجل تمويل نقل مشترك أو خدمات عامّة، بل بهدف مُعلن غير ذي صلة ألا وهو تمويل زيادة رواتب القطاع العام. وهنا أساس المشكلة حيث أنّه بدل أن تُصلح الدولة نموذجها المالي والإداري وتبني موارد مستدامة، تختار الطريق الأسرع عبر ضغطٍ إضافيّ على سلعة لا يمكن الاستغناء عنها.

من المفترض أن تأتي أي زيادة ضرائب على المحروقات بشرطيْن بديهييْن لكي تكون مفهومة ومقبولة نسبيًا، بوصفها قرارًا غير شعبي بتاتًا: أولًا، أن يكون الإجراء جزءًا من سياسة نقل/مناخ/بيئة واضحة لها أهداف معلنة ومقاييس متابعة. وثانيًا، أن يأتي بالتوازي مع وجود بدائل فعّالة أو خطّة زمنيّة ملزمة لتحسينها. أمّا أن تُفرض زيادة على البنزين في بلد يعتمد على السيارة بشكل مفرط وشبه حصريّ كما في لبنان، ومن دون بدائل حقيقية أو خطّة تشغيل واضحة، فهذا لا يندرج في خانة “سياسة عامّة” بقدر ما يندرج في خانة جباية من الضرورة.

الفكرة البسيطة التي يتجاهلها القرار هي أنّ أغلب مستخدمي السيارة في لبنان لم يلجأوا إليها بوصفها خيار رفاهية أو ترفًا، بل بوصفها الخيار شبه الوحيد الممكن. فحين يكون النقل المشترك ضعيفًا وغير منتظم وغير مضمون، وحين تصبح المشية صعبة بسبب غياب الأرصفة والسلامة والمسافات الطويلة، وحين تغيب حلول مثل النقل التشاركي المنظَّم، والبنية التحتية للدراجات، وتبقى إمكانات العمل عن بُعد محدودة وغير مدعومة بسياسات، تصبح السيارة ضرورة قسرية لا “تفضيلاً”.

لذلك، فإنّ رفع الضريبة على البنزين لا يُقرأ باعتباره سياسة “ترشيد” أو “تحفيز انتقال” نحو بدائل أنظف، بل يُترجم عمليًا إلى عقوبة بلا مبرّر: منطق السلطة هنا يشبه أن تقول للمواطن: “حرمتك البدائل الفعّالة، وألزمتك بالسيارة لتصل إلى عملك ومدرسة أولادك وطبيبك… ثم سأرفع عليك كلفة هذا الخيار الوحيد، وإن لم تدفع فالبديل هو ألّا تتنقل”. وهنا تكمن الكارثة: لا يحق للدولة أن تحاصر الناس ضمن خيار واحد، ثم تعاقبهم ضريبيًّا لأنهم يستخدمونه.

بل أكثر من ذلك. في خلفية هذا القرار تظهر عقلية خطِرة تتجاوز مسألة “زيادة ضريبة” إلى طريقة تفكير الدولة في التنقّل نفسه. فبدلًا من أن يكون النقل خدمة عامّة تُدار بعقلية الحقّ (حق الوصول إلى العمل والتعليم والخدمات الأساسية بكلفة معقولة)، يتحوّل إلى باب جباية. عندما تعرف الدولة أنّ معظم الناس لا يملكون خيارًا فعليًا سوى السيارة فهي عمليًا تمتلك “زبونًا أسيرًا”. وفي هذه الحالة، يصبح الإغراء كبيرًا: لماذا تستثمر مثلًا في نقل عام قد يخفّض الطلب على البنزين ويقلّص إيرادات الضرائب، إذا كان إبقاء الناس داخل نموذج السيارة يضمن تدفّقًا ماليًا ثابتًا؟ هنا تتكوّن المفارقة الأخلاقية والسياسية: كلما بقيت بدائل السيارة ضعيفةً، زاد اعتماد الناس على السيارة، وكلما زاد الاعتماد، زادت قابلية الدولة للجباية من الوقود. أي أنّ فشل الدولة في بناء بدائل لا يعود خطأً عارضًا فقط، بل يتحوّل إلى “منفعة مالية” غير معلنة. وهذا ما يجعلنا نقرأ القرار كدليل على غياب المصلحة الحقيقية في تشغيل نقل مشترك فعّال: لأنّ البديل، إن وُجد فعلًا، سيقلّل الاستهلاك وبالتالي يقلّل الجباية، بينما إبقاء الوضع كما هو يرسّخ علاقة غير عادلة بين الدولة والمواطن: المواطن مُكره على السيارة، والدولة تُموِّل نفسها من هذا الإكراه.

أيضًا، القرار يُسوَّق كحلّ لتمويل زيادة رواتب القطاع العام، بينما آليّته تُنتج حلقةً شبه مغلقة تعيد اقتطاع جزء من تلك الزيادة من الأشخاص أنفسهم. فالموظف الذي سيحصل على زيادة، هو ذاته الذي يحتاج غالبًا إلى السيارة ليصل إلى عمله (لغياب البدائل) وبالتالي مع كلّ يوم عمل، سيشتري وقودًا أغلى بسبب الضريبة الجديدة، ما يعني أنّ جزءًا من “الزيادة” سيعود فورًا إلى الخزينة عبر البنزين، وبطريقة تلقائية لا تحتاج إلى أي نظام جباية معقّد. ثم يتوسّع الأثر إلى ما هو أبعد من الموظف: ارتفاع الوقود يرفع كلفة التنقّل لكل العاملين والطلاب، ويرفع كلفة نقل البضائع والخدمات، فتزداد أسعار السلع الأساسية، فتتآكل القدرة الشرائية للجميع، وموظفي القطاع العام ضمنهم، فينخفض الأثر الحقيقي للزيادة أو يتلاشى بسرعة. هكذا لا تكون الدولة قد حسّنت الدخل فعلًا، بل تكون قد نقلت المال من جيبٍ إلى جيب داخل الاقتصاد نفسه، مع خسارة إضافيّة بسبب الغلاء. إنّها حلقة “تمويل” حسابيّة بحت لكنّها ذات نتيجة عبثية: تعطي زيادة ثم تستعيد جزءًا منها عبر البنزين، وتُعيد ضخّ التضخّم في السوق، ثم تعود لاحقًا لمواجهة مطالب جديدة لأنّ الزيادة لم تعدْ تكفي.

وبهذا الخصوص، علّل رئيس الحكومة القرار بالقول: “اضطررنا للزيادة على سعر البنزين لكننا ألغينا الزيادة على المازوت التي تطال الفئات الفقيرة”. كما أنّ الدولة تدفع بدلات نقل للموظفين مما يخفف وطأة القرار عليهم وهو ما استتبعه وزير المال بالحديث عن “صفائح البنزين” التي يستفيد منها القطاع العام. للأسف في كلتا المقاربتين خطأ. فإذا سلّمنا بأنّ إلغاء زيادة المازوت تطال الفقراء بما خصّ التدفئة أو بعض الاستخدامات الصناعية كما قال، الكلام غير دقيق بما يتّصل بقطاع النقل. فسيارات ذوي الدخل المحدود ليست أساسًا على المازوت، والنقل المشترك (الذي تعتمد عليه هذه الفئات بشكل أساسي) لا يُسمح له قانونًا بالعمل على المازوت. النتيجة أنّ عبء الزيادة على البنزين سيقع على الجميع، لكن الفقير سيتحمّله كنسبة من دخله أكثر بكثير من الغني، ما يجعل القرار غير عادل عمليًا مهما كانت النوايا المعلنة. والمنطق نفسه بما يخصّ بدل النقل: إذ أنّ زيادة المحروقات تطال المجتمع كلّه (عمّال وطلّاب ومستهلكون،…) فيما أنّ بدل النقل لا يستفيد منه إلّا عدد محدود من الموظفين وعدد أقل منهم يستفيد من صفائح البنزين. ثم إنّ سياسة بدل النقل نفسها أثبتت محدوديّتها: هي إجراء مكلف وغير مستدام، ويمكن أن يتحوّل إلى هدر مالي إذا لم يُربط بإصلاح جذري في منظومة النقل، بدل أن يُستخدم كمسكّن مؤقّت يُعيد إنتاج المشكلة نفسها.

إذا كانت السلطة فعلًا مهتمّة بتحسين المستوى المعيشي لموظفيها، وكل المقيمين، فالحل الأمثل يكمن في الاستثمار في بدائل جدّية عن السيارة لا يخفّف الازدحام والتلوّث فقط، بل ينعكس مباشرةً على معيشة الأسر وقدرتها الشرائية. فالنقل بالسيارة يفرض “فاتورة ثابتة” على الأسر: وقود، صيانة، قطع غيار، تأمين، مواقف، وأحيانًا استهلاك/ اهتراء السيارة نفسه. بالمعدّل تصل كلفة التنقّل إلى نحو 15% من ميزانية الأسرة (أحيانًا أكثر لدى سكّان الأطراف ومن يضطرّون لرحلات يوميّة طويلة). عندما تتوافر بدائل موثوقة (نقل مشترك منتظم ومتاح، مسارات مشي آمنة، بنية للدراجات، وتنظيم للنقل التشاركي) يمكن خفض هذه النسبة بوضوح، لأنّ جزءًا من الرّحلات ينتقل إلى وسائل أقلّ كلفة. النتيجة بسيطة: ما كان يُستنزف في النقل يعود إلى سلة الاستهلاك الأساسية (غذاء، تعليم، صحّة)، فتتحسّن القدرة الشرائية فعلًا، ويصبح تصحيح الأجور أقلّ حاجة وأقلّ عرضة لأن يُبتلع فورًا بكلفة التنقّل وغلاء الأسعار.

حتى من زاوية ماليّة بحتة، ربط تمويل الرواتب بزيادة على البنزين غير مستدام لأنّ الإيرادات تعتمد على الاستهلاك. والاستهلاك يتقلّب بشدّة مع الأزمات وربط الإيرادات بالاستهلاك اليومي للوقود يجعل الدولة رهينة عوامل خارج السيطرة. ماذا يحدث إذا انخفض الاستهلاك فجأة؟ مثلًا: في حال زيادة سعر المحروقات عالميًا بشكل كبير، حرب أو توتر إقليمي أو انقطاع أو تخفيف إمدادات (كما حصل في أزمة 1973 أو قليلًا في 1989)، قد تقلّ الكمّيات المتاحة أو ترتفع الأسعار إلى حدّ يخفّض الطلب. أو مثلًا في حال جائحة (كما حصل في فترة كورونا) أو إقفال أو تراجع اقتصادي (حين اندلاع الأزمة الاقتصادية)، تقلّ فيهما الحركة تلقائيًا ويهبط الاستهلاك. أو في حال حدوث أي أزمة طاقة أو مشاكل في الاستيراد لأسباب سياسية أو أمنية أو تقنية (كما الحصار البحري عقب حرب 2006 أو خروج مرفأ ما عن الخدمة)، يتحوّل الوقود إلى سلعة نادرة تُستخدم للضرورة القصوى فقط وبالتالي ينخفض استهلاكه والإيرادات المرجوّة منه. بالمختصر، الدولة تبني تمويلًا لرواتب أو لخدمات على قاعدة قد تنهار عند الصدمة الأولى. هذا ليس تمويلًا… بل مقامرة.

في التطبيق العملي لهذه الضريبة أيضًا يكمن تفصيل مهمّ، ألا وهو تعزيز اللاعدالة في نظام النّقل. وبإمكاننا أن نستشهد هنا باحتجاجات “السترات الصفراء” في فرنسا (2018–2019) التي أتتْ بعد إعلان ضريبة إضافية على الوقود (ضمن خطاب بيئي – اقتصادي)1، واصطدمتْ بواقع اجتماعيّ قوامه أنّ سكّان الأطراف والرّيف يعتمدون على السيارة بسبب ضعف النقل العام في مناطقهم، وذلك بخلاف سكان المراكز الذين لديهم بدائل أفضل. النتيجة كانت انفجارًا واسعًا للاحتجاجات، ليس لأنّ الناس “ضدّ البيئة”، بل لأنّهم شعروا بأنّ العبء يُلقى عليهم وحدهم، وبأنّ الدولة تتعامل معهم بوصفهم “مموّلين قسريّين” بدل أن تؤمّن حلولًا. الفارق أنّ فرنسا كانت تملك أصلًا شبكة نقل عام لا تُقارن بلبنان. فإذا كان رفع الوقود قد أشعل غضبًا في دولةٍ فيها بدائل وخدمات، فكيف سيكون أثره في بلدٍ البديل فيه شبه غائب، والثقة فيه ضعيفة، والدّخل فيه هش؟ مثال يظهر كيف أنّ تمويل الانتقال العادل لا يبدأ من رفع كلفة الضرورة، بل من بناء البدائل أوّلًا وهذا تحديدًا ما يجعل أي زيادة على الوقود في لبنان أكثر خطورة: لأنّ الثقة شبه معدومة، ولأنّ النقل العام وبقيّة البدائل لا تحظى بأي اهتمام أو خطة واضحة أو برنامج استثماري.

حتى بين مستخدمي السيارة أنفسهم، القرار غير عادل. فالأثر يختلف جذريًا حسب الدخل، والموقع، وطبيعة العمل، ونوع السيارة، وتكرار التنقل…. مثلًا الموظف الذي يقطع يوميًا مسافة طويلة لأنّ وظيفته بعيدة عن سكنه لا يملك رفاهية تقليل الاستهلاك، أو مثلًا العامل الذي يبدأ دوامه فجرًا أو ينهيه متأخّرًا ليلًا لا يستطيع الاعتماد على خيارات نقل غير موجودة أو غير آمنة، أو مثلًا سكان الأطراف والقرى والضواحي، الذين يدفعون أكثر لكي يتنقّلوا نحو المركز (بيروت والمدن) حيث يوجد العمل والتعليم والخدمات الأساسية، لأنّهم “أُجبروا” على السكن بعيدًا بفعل أسعار العقار وضعف التخطيط… أيضًا أصحاب الدخل المرتفع يمتصّون الزيادة بسهولة (تعتبر نسبة الزيادة قليلة نسبة لمداخيلهم/ثروتهم) بينما لدى الأسر المتوسطة والفقيرة تكون هذه النسبة من مداخيلهم أعلى وبالتالي تساهم بتآكل قدرتهم الشرائية أكثر وتضع ضغوطًا إضافيّة على ميزانيّتهم وخيارات التنقّلات لديهم. إذًا، ليست المسألة تمامًا “كل من يقود سيارة يدفع أكثر” بل التأكيد مجدّدًا: من لا يملك خيارًا يدفع أكثر، وهذا تعريفٌ مباشر للاعدالة.

أيضًا، من الخطورة في هذا القرار أن يأتي بلا اعتماد فعليّ على دراسات وقاعدة بيانات محددة وواضحة تبيّن فعليًا حجم التنقلات واستهلاك الوقود: الكميّات الفعليّة بالتفصيل الزمني/المكاني، حجم التنقلات اليومية الملزمة والاختيارية (من/إلى، لأي غرض، بأي وسيلة)، كيف سيتأثّر الطلب على الوقود مع الزيادة، ما هو الإيراد المتوقع بناء على سيناريوهات واقعية، لا على تقديرات عامّة… هذا الغياب لا يعني مجرّد نقصٍ تقنيّ بل هو مؤشّر سياسيّ وإداريّ. القرار يبدو مبنيًا على تقديرات عشوائيّة أو سريعة، لا على دراسات نقل واقتصاد أسري وسلاسل إمداد والأخطر أنّ الدولة قد تُسعّر الزيادة وكأنّ الاستهلاك ثابت، بينما الاستهلاك يتغيّر مع الأسعار، ومع الأزمات، ومع توافر المادة. أي أنّ التمويل نفسه قد يكون مبنيًّا على رمل.

وليزداد الطين بلّة، يأتي هذا القرار كسواه من الإجراءات والقرارات الاعتباطية المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر على قطاع النقل في ظلّ صمت مستغرب من وزارة النقل وباقي المعنيين عن القطاع، والناجم أساسًا عن انفصال عن الواقع، غياب الرؤية والاستراتيجية الواضحتين والمعلنتين، المقاربة التقنية والتسطيحيّة للقطاع كما غياب الجرأة في اتخاذ القرارات. فمثلًا هذه الزيادة تأتي، بحسب ما يظهر، من دون أيّ موقف علنيّ واضح من وزير النقل، ومن دون دراسة منشورة لتأثير القرار على تنقّلات الناس اليومية (بخاصّة الفئات المضطرّة)، تأثيرها في قدرة الوصول إلى العمل والتعليم والخدمات، تأثيرها على ميزانية الأسر وكلفة نقل البضائع وبالتالي كلفة السلع الأساسية، الضغط على المناطق الطرفية التي تعاني أصلًا من ضعف خدمات النقل… وهنا تتّضح المفارقة: قرار يمسّ حركة التنقل اليومية للمجتمع والاقتصاد، يُتخذ كأنّه مجرّد رقمٍ في جدول ضرائب، بلا تقييم أثر وبلا سياسة نقل وبلا إجراءات حماية للفئات الأكثر تضررًا أو الأكثر هشاشة في تنقّلاتهم.

بالخلاصة، زيادة البنزين هنا ليست “إصلاح نقل”، وليست “سياسة عامّة متكاملة”. هي محاولة سريعة لتمويل زيادة رواتب عبر موردٍ سهل التحصيل من مجتمعٍ لا يملك خيارات.

المشكلة ليست في فكرة تمويل الرواتب بحد ذاتها، بل في مصدر التمويل: جباية من سلعة قسرية بدل موارد عادلة عبر حلقة تمويلية يعود فيها جزء من الزيادة كضريبة على الموظف نفسه مع غياب أرقام تنقّل واستهلاك تبرّر القرار وغياب دراسة أثر على تنقّل الناس وكلفة السلع مع غياب دور واضح لوزارة النقل في ملف يمسّ النقل مباشرة.

إذا أرادت الدولة مقاربة مسؤولة، فهي تحتاج على الأقلّ إلى نشر أرقام الاستهلاك والتنقّل وسيناريوهات الإيرادات، وإلى تقييم أثر اجتماعي واقتصادي قبل الإقرار، وإلى إجراءات تخفيف على الفئات الأكثر تضررًا (بطاقات تنقل/دعم موجّه/بدلات نقل شفافة)، والأهمّ: الاعتراف بأنّ الناس ليست ممولًا دائمًا لأنّ الدولة فشلت في بناء بدائل. فيما يبقى الحلّ الأمثل في تمويل مباشر لتطوير قطاع نقل يقلّل الاعتماد على السيارة عبر الاستثمار في بدائلها مما يقلّل، وبشكل فعّال ومستدام، تكلفة النقل على الناس كلّها وبالتالي يؤدّي إلى تحسّن غير طفيف في ميزانيّتهم وقدراتهم الشرائية.

في النهاية، الوقود ليس مجرد “صفيحة” في بيان ضريبيّ. هو شريان حياة يومي. وعندما يُعامل كأنّه صندوق جباية سريع، يصبح القرار إعلانًا صريحًا عن غياب الرؤية: بدل أن تبني الدولة خدمة… تُموّل نفسها من عجزها عن بنائها.

  1.   تموّل الضريبة على استهلاك المحروقات أساسًا 45% من الإنفاق الاستثماري على قطاع النقل خمسه لتمويل مباشر للنقل المشترك الحضري والنقل السككي بين المدن. ↩︎

Comments


  • Twitter
  • LinkedIn
  • Facebook

©2022 by alihelzein. Proudly created with Wix.com

bottom of page