نظام النقل في لبنان في ظلّ الحرب: بين انكشاف جديد لفشل السياسات وفرصة التغيير
- Ali El Zein - علي الزين

- Apr 8
- 11 min read
نُشر في المفكرة القانونية : 08/04/2026
في ظلّ العدوان الإسرائيلي الحالي على لبنان، بدأت أزمة النقل، المتجذّرة أصلًا في بنية النّظام القائم، تأخذ منحًى إضافيًا يكشف بوضوح هشاشة هذا النظام والحاجة الملحّة إلى تطويره. وإذا كان ارتفاع أسعار المحروقات يطغى على المشهد بوصفه المظهر الأكثر مباشرة للأزمة، فإنّ تطوّرها خلال الحرب يفتح أيضًا على أبعاد أوسع تتصل بإمكانية التنقّل بحدّ ذاتها. من هنا، يهدف هذا المقال إلى تشخيص تطوّر أزمة النقل في لبنان في الحرب بوصفه دليلًا إضافيًا على هشاشة النظام القائم، وعلى ضرورة العمل الجدّي على تحسينه.
في ظلّ الحرب الحالية على إيران، لم تعد أزمة المحروقات مجرّد موجة عابرة في أسعار النفط، بل تتحوّل الى صدمة طاقة عالميّة جديدة تنعكس مباشرة على الاقتصادات والمجتمعات. فبحسب وكالة الطاقة الدوليّة في تقريرها الصادر في مارس 2026، أدّت الحرب إلى أكبر اضطراب في تاريخ سوق النفط، بعدما تراجعت تدفّقات الخام عبر مضيق هرمز من نحو 20 مليون برميل يوميًا قبل الحرب إلى مستويات ضئيلة، ما دفع دول الوكالة إلى إتاحة 400 مليون برميل من الاحتياطات الطارئة. وبالتوازي، أسعار النفط قفزت بنحو 60% خلال شهر مارس فقط، لتقترب من 110 د.أ للبرميل في نهايته، في تطور يفاقم الضغوط التضخمية، ولا سيما في الدول المستوردة للطاقة، كما لبنان.
أمام هذه الصدمة، جاءت استجابات الحكومات في العالم أقرب إلى سياسات احتواء عاجلة منها إلى معالجات بنيوية. فقد تراوحت بين خفض الرسوم على الوقود بصورة جزئيّة أو مؤقّتة، وتقديم دعم مباشر لأسعار المحروقات والكهرباء، وفرض قيود على المبيعات، وتشجيع العمل عن بُعد، وتخصيص دعم للقطاعات الأكثر تضرّرًا، ولا سيما النقل والزراعة. لكن هذه التدابير لم تهدف إلى وقف الارتفاع بقدر ما سعتْ إلى تخفيف حدّته وامتصاص أثره الفوريّ. فهي لا تعالج جوهر الأزمة، بل تؤخّر انتقالها الكامل إلى المستهلكين وتحدّ من كلفتها السياسيّة والاجتماعيّة. ومن هنا، يتّضح أنّ السّمة الغالبة عالميًا كان التوجّه نحو شراء الوقت بهدف تخفيف وقع الأزمة على المدى القصير، من دون أن يغيّر شيئًا في أصل المشكلة ما دامت الحرب مستمرّة وسوق النفط العالمية مضطربة.
لبنان: واقع هشّ
في لبنان، تأخذ صدمة المحروقات وقعًا أشدّ من كثير من البلدان، لأن أزمة النقل لا تختزل بارتفاع أسعار الوقود، بل تنبع من بنية كاملة جرى تشكيلها على أساس الاعتماد شبه التامّ على السيارة الخاصة والمحروقات لتأمين التنقل اليومي وضعف بدائل السيارة وسوء حوكمة القطاع خاصة مع ضعف قدرة الدولة على التدخّل، لا بسبب الأزمة المالية والعدوان الإسرائيلي المستمر، بل أيضًا نتيجة مسار سياسي طويل في قطاع النقل رسّخ هيمنة السيارة، وأقصى بدائلها بصورة منهجية ومقصودة، وفي مقدّمتها النقل المشترك.
وقد تكشّفت هشاشة هذا الواقع بسرعةٍ لافتة خلال أسابيع قليلة فقط. ففي غضون نحو خمسة أسابيع، بين منتصف شباط وبداية نيسان، ارتفع سعر البنزين في لبنان بنحو الثلث تقريبًا، وهي قفزة حادّة تكفي وحدها لإظهار مدى ارتهان التنقّل اليوميّ لتقلّبات سوق المحروقات. لكن هذه الزيادة لم تكن نتيجة ارتفاع أسعار النفط عالميًا فقط، بل أيضًا نتيجة قرار داخلي بتحميل جزء من كلفة تمويل زيادات رواتب القطاع العام على أسعار المحروقات نفسها. ففي 17 شباط 2026، أقرّت الحكومة زيادة الضرائب على البنزين، بالتوازي مع رفع الضريبة على القيمة المضافة نقطة مئوية واحدة، وذلك لتمويل زيادات إضافيّة لموظفي القطاع العام والعسكريين والمتقاعدين. وبالتالي فإنّ رسمًا إضافيًا يعادل 360 ألف ليرة على صفيحة البنزين ساهَم وحده في رفع سعرها بنحو 25% حينها وهذا يعني أن جزءًا من صدمة المحروقات في لبنان كان محليّ المنشأ أيضًا، لا مجرد انعكاس سلبيّ للسوق العالمية.
خطورة أزمة المحروقات لا تكمن فقط في ارتفاع أسعارها بحدّ ذاته، بل في تحوّل هذا الارتفاع في ظلّ عدوان إسرائيلي مستمرّ إلى أزمة وصول فعليّة. فالمشكلة لا تقتصر على أن التنقّل أصبح أكثر كلفة، بل على كون الارتفاع جرّاء قرار داخليّ غير مرتبط بقطاع النّقل ولكن لأن ذلك أدّى إلى أن الوصول بات أكثر صعوبة وأقلّ انتظامًا وأكثر تفاوتًا بين الناس والمناطق. بهذا المعنى، لا تعود أزمة النقل مسألةً تقنيّة أو قطاعيّة أو أزمة حركة، بل أزمة اندماج اجتماعيّ ومعيشيّ أيضًا. هنا تكمن إحدى أخطر نتائج نظام النقل المعتمد على السيارة في زمن الحرب: السيارة الخاصة، التي تمثّل أصلًا عبءًا اقتصاديًا على الأفراد والأسر، وتنتج أضرارًا مجتمعيّة جسيمة من التلوّث والصدامات المرورية واحتلال الحيّز العام واستنزاف العملات الأجنبية عبر استيراد السيارات والمحروقات، تصبح أكثر كلفة وأكثر وطأة حين تضرب أزمة نفطيّة حادّة مجتمعًا يعتمد عليها بوصفها وسيلة التنقّل الأساسيّة. عندها، لا يعود التنقّل حقًا مضمونًا، بل يصبح قدرة متفاوتة ومشقّة يومية، ويتحوّل السؤال من جدوى التنقّل إلى توفر وسائله أصلًا: من يستطيع أن يتحرّك، ومن يُجبر على البقاء في مكانه؟ ذلك أن نظام النقل القائم على السيارة يعزّز اللامساواة بطبيعته، لأنه يربط القدرة على التنقّل بالقدرة على امتلاك السيارة وتشغيلها. يُضاف الى الارتفاع الكبير بأسعار المحروقات، تراجُع المداخيل تحت وطأة الحرب ليصبح هذا الإقصاء أكثر حدّة: من يملك سيارة لكن لم يعد قادرًا على تعبئتها يصبح مشلولًا حركيًّا، ومن لا يملك سيارة أصلًا يزداد عزلةً، خصوصًا مع ضعف النقل المشترك وتراجع فعاليّته في ظلّ العدوان وتبدّل أنماط التنقّل بسبب الوضع الأمنيّ. وهكذا، لا تعود السيّارة أداة حرية عامة، بل امتيازًا طبقيًا لا يبقى متاحًا إلا لمن يستطيع الاستمرار في تحمّل كلفته.
ولا يقتصر أثر هذا الواقع على الأفراد بوصفهم مستخدمي وسائل النقل، بل يطال أيضًا الاقتصاد اليومي الصغير والهش. فالعمّال ذوو الأجور المتدنية، والمياومون، وموظفو الخدمات، وأصحاب المحال الصغيرة، والعاملون في التوصيل، وكل من يعتمد دخلهم على تنقّلات يومية متكررة، يواجهون ضغطًا مزدوجًا: ارتفاع كلفة الحركة من جهة، وتراجع القدرة على تعويضها من خلال الدخل من جهة أخرى. وفي هذه الحالة، لا تصبح كلفة النقل مجرد بند إضافي في الإنفاق، بل عاملًا قد يحدّد أصلًا ما إذا كان العمل ممكنًا أو مجديًا. وهكذا، تمتدّ أزمة النقل لتصيب النشاط الاقتصاديّ المحلّي نفسه، وليس فقط قدرة الأفراد على التنقّل.
لفهم تأثير هذا التطوّر في أزمة النقل يمكن، بصورة مبسّطة، تقسيم الصعوبات الناجمة عن ذلك إلى فئاتٍ عدّة بحسب التوزّع الجغرافيّ والاجتماعيّ.
أبعاد الأزمة
على الصعيد الجغرافي، يمكن التمييز بين ثلاث حالات رئيسية:
الحالة الأولى هي المناطق الأكثر عرضةً للعدوان، مثل الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع، حيث يصبح التنقّل بحدّ ذاته، بأيّ وسيلة كانت، عرضةً لخطر حقيقيّ ومباشر. في هذه المناطق، يلاحظ تبدّلٌ واضح في عادات التنقّل عند الضرورة، مثل الاعتماد المتزايد على الدراجات النارية بوصفها وسيلة أسرع وأكثر قدرة على تجاوز العوائق والردميات الناتجة عن قصف المباني والطرقات. لكن الحاجة إلى التنقّل هنا تصبح آنية ومؤقتة ومحدودة، ولا سيما في الضاحية الجنوبية، حيث بات الجزء الأكبر من هذه التنقّلات واردة أكثر بحكم القرب الجغرافي لكنه يظل مرتبطًا بالاطمئنان على الممتلكات أو جلب الحاجيات منها. وهنا تنتقل معضلة التنقّل من داخل هذه المناطق إلى الوصول إليها من أماكن النزوح، ومع غياب بدائل فعليّة عن المركبات الخاصّة، سواء السّيارة أو الدّراجة الناريّة، يصبح هذا الوصول غير متساوٍ بين الناس. يُضاف الى ذلك واقع أن جزءًا كبيرًا من المقيمين في المناطق المعرّضة للعدوان خسرُوا كليًا أو جزئيًا نشاطهم الاقتصاديّ مما يزيد الضغط على قدرتهم الشرائيّة ومنها الإنفاق على النقل ويضعها حتى في مقارنات تفضيليّة مع باقي إنفاق الأسر (غذاء، صحة، طاقة منزلية،…) ذلك دون التطرّق لزيادة كبيرة في تكلفة السّكن لمن اضطر ترك مسكنه واستئجار مسكن مؤقّت. يضاف أيضًا صعوبات التنقل (تقنيًا وماديًا) جراء تغيّر عادات التنقل بسبب نقل مكان السكن. الأثر الأكبر هو للتنقلات نحو مكان العمل ولكنه لا يقلّ شأنًا حتى في التنقلات الثانوية كالاستهلاك.
أما الحالة الثانية، فتتمثّل في مناطق النزوح الحضريّة، حيث تظهر الأزمة بصورة مختلفة، من خلال التكدّس الكبير للسيارات داخل الأحياء، وما يرافقه من صعوبة في الركن والحركة والتنقّل الداخلي كما يهدّد السلامة العامة. في بيروت مثلًا، طُرحت خطط واقتراحات للتخفيف من أعباء هذا التكدّس، كإزالة السّيارات من الأحياء إلى مواقف عامّة مجانيّة وتأمين تنقّلات مجانيّة منها وإليها، إلا أن هذه المقترحات لم تُنفّذ فعليًا، أو جرى التغاضي عنها، وهو ما يشكّل خطأً كبيرًا. وإلى جانب ذلك، تستمرّ في هذه المناطق، وربما تتفاقم، أزمة زحمة السير الناتجة من استمرار حدّ أدنى من الحركة الاقتصادية، وارتفاع عدد المقيمين وسياراتهم بفعل النزوح. وهكذا، فإن استمرار التنقّل فيها لأسباب اقتصادية أو اجتماعية يفرض أعباء إضافية، خصوصًا مع ارتفاع أسعار المحروقات وتراجع المداخيل.
أما الحالة الثالثة، فهي المناطق الأقلّ عرضة لخطر العدوان والنزوح، حيث لم يتغير النسق العام للازدحام وصعوبة الركن بصورة جذرية مقارنة بما كان عليه قبل الحرب. ومع ذلك، فإن أثر الأزمة يظهر فيها من خلال استمرار الأعباء نفسها تقريبًا، لكن في ظل كلفة أعلى للتنقّل وضعف أكبر في القدرة على تحمّلها.
على الصعيد الاجتماعي، فإن تعمّق اللامساواة بين المقيمين فيما يخصّ تنقّلاتهم لا يختلف كثيرًا عمّا كان عليه قبل الحرب، بل يزداد حدّة. ويمكن هنا التمييز بين ثلاث فئات رئيسيّة:
الفئة الأولى التي تتكوّن من مُستخدمي السيارات الذين يملكون قدرة مالية كافية تتيح لهم استهلاك السيارة بالقدر الذي يرغبون فيه، بغض النظر عن مدى الحاجة الفعلية إليها. وهذه هي الفئة الأقل تأثرًا بالأزمة.
أما الفئة الثانية، فهي تتكوّن من مُستخدمي السيّارات ذوي القدرة المحدودة على تأمين كلفة استهلاكها بالقدر الذي يحتاجون إليه، وهي الفئة التي تضطرّ إلى ابتكار آليّات تكيّف ذاتيّة، تتراوح بين تقليل عدد الرحلات، أو دمجها، أو تقاسمها، أو حصر استعمال السيارة بالحاجات الأكثر إلحاحًا، في محاولة دائمة للتوفيق بين الحاجة إلى السيارة والقدرة على تشغيلها.
أما الفئة الثالثة، فهي تتكون من الذين لا يستخدمون السيارات، أي الذين يعتمدون أساسًا على وسائل نقل أخرى، وهنا تصبح قدرتهم على الوصول إلى هذه الوسائل واستخدامها مرتبطة بمكان الإقامة أو النزوح، وبأماكن العمل والدراسة والمقاصد اليومية المختلفة.
ومع ذلك، وحتى في الحالات الجغرافيّة والاجتماعيّة التي لا تزال تملك قدرة متفاوتة، على استعمال السيارة، تبقى هذه الأخيرة وسيلة غير كفوءة في لحظة تصبح فيها الطاقة موردًا نادرًا واستراتيجيًا، ولا سيما في زمن الحرب. ففي مثل هذه الظروف، يزداد هدر المحروقات مع ارتفاع نسبة الرحلات القصيرة والمتكرّرة، مقابل تراجع التنقّلات الطويلة نسبيًا بسبب الوضع الأمني وضعف الدورة الاقتصاديّة. وبذلك، يؤدّي الاعتماد المُفرط على المركبات الخاصة إلى حرق وقود أغلى وأندر ضمن نظام أقل كفاءة. ومن هنا شدّدت وكالة الطاقة الدولية في اذار 2026 على أن قطاع النقل الطرقي هو من أسرع القطاعات التي يمكن خفض استهلاك النفط فيها عبر سيّاسات بسيطة لإدارة الطلب وتشجيع النقل الجماعيّ. إلّا أن لبنان، بسبب ضعف بدائله، لا يزال يسلك المسار المعاكس: مزيد من الارتهان للسيارة في لحظة يفترض فيها بذل الجهد للتقليل هذا الارتهان.
سوء الإدارة
كما تكشف حالة الطوارئ هذه هشاشة نظام النقل المُعتمد على السيارة، ليس فقط من حيث كلفته، بل أيضًا من حيث طريقة التعامل الرسمي معه. إذ وسط الحرب وغلاء المحروقات، تبقى الأولويّة الرسميّة محصورةً في تأمين استمرار التّزويد ومنع النقص، من دون بذل أي جهد لإيجاد حلول تحدّ من الحاجة إلى المحروقات نفسها. وهذه المقاربة، على أهميّتها في منع الانقطاع، تعني في جوهرها أنّ الدولة لا تنظر إلى التنقّل كحقّ اجتماعي يجب صونه، بل كأمر يُترك عمليًا لمنطق السوق، ولقدرة الأفراد على تحمّل كلفته.
أساسًا، لا ينبغي الاكتفاء بالقول إنّه لا توجد أزمة محروقات لأن الإمدادات لم تنقطع بعد. فقد لا يكون هناك نقص مادي في الوقود، لكن قد يكون هناك نقص في القدرة على التنقّل بسبب السعر، وهذا بحدّ ذاته شكلٌ من أشكال الأزمة الاجتماعية، حتى قبل أن يتحوّل إلى أزمة لوجستيّة صريحة.
لكن وراء هذا الإهمال الرسميّ لا يقف سبب تقني، بل خيار سياسيّ في المقام الأول. صحيحٌ أن هذا المقال لا يهدف إلى الخوض تفصيلًا في البعد السياسيّ للأزمة، إلا أنّ من المهم التوقّف عند حقيقةٍ لافتة: الحديث عن أزمة المحروقات، وغلاء أسعارها، وأثرها المباشر على حياة الناس، يكاد يكون غائبًا بالكامل عن الخطاب السياسيّ الرسميّ. فهذه المسألة لا تحتلّ موقعًا فعليًا لا في الاجتماعات الدورية لإدارة الأزمة في السراي الحكومي، ولا في مداولات مجلس الوزراء، ولا حتى في خطاب وزارة النقل ووزيرها. وهذا الغياب ليس تفصيلًا عابرًا، بل دلالة سياسية بحدّ ذاته، لأنه يكشف أن ما يعيشه الناس يوميًا من صعوبات في التنقل والمعيشة لا يُعامل رسميًا كأولوية تستحق النقاش والمعالجة.
ما العمل؟
قد يظنّ البعض أن الحلّ اذًا هو بدعم كليّ لسعر المحروقات أو تخفيض الضرائب عليها فقط. ذلك غير صحيح تمامًا حيث أن الحلّ لا يكمن في حصر التّفكير بكيفيّة ضمان استمرار تدفّق المحروقات إلى السوق، ولا في خفض سعر البنزين للجميع بما أنّه في بلد يستورد طاقته بالكامل تقريبًا، وماليّته العامّة منهكة، وشبكة البدائل فيه ضعيفة، سيكون الدعم الشامل للبنزين، كما حصل في مراحل سابقة حتى اندلاع أزمة 2019، باهظ الكلفة، سريع التآكل، وغير عادل اجتماعيًا، لأن قسمًا كبيرًا منه سيذهب إلى الفئات الأكثر امتلاكًا للسيّارات والأعلى استهلاكًا للوقود، أي ذوي المداخيل والثروات المرتفعة من هم أقل حاجة إليه نسبيًا. لذلك، يبدو الأكثر واقعية هو دعم التنقّل نفسه لا الوقود أي التفكير في خفض كلفة التنقّل والحاجة إليه، بدل دعم استهلاك السيارة على نحو شامل.
بمعنى أخر يجب التفكير بدعم خدمات النقل لا مركبات النقل. إذ أن دعم المركبة يعني، عمليًا، الاستمرار في تمويل الملكيّة الفرديّة واستهلاك الوقود على نحو غير عادل وغير كفوء، بينما يعني دعم الخدمة تمويل الحق العام في التنقل، أي تمكين أكبر عدد ممكن من الناس من الوصول إلى مقاصدهم اليومية بكلفة أقل وبصورة أكثر انتظامًا. وهذا التمييز ليس تفصيلًا تقنيًا، بل خيارًا سياسيًا واجتماعيًا يحدد ما إذا كانت الاستجابة للأزمة ستصبّ في حماية الناس، أم في إعادة إنتاج النموذج نفسه الذي فاقمها.
في هذا السّياق، ثمة أولويّة في دعم تشغيل النقل الجماعي الموجود فعلًا الذي يقوم على خليط من شبكات رسميّة محدودة جدًا وخدمات خاصّة وغير رسميّة تؤمّن النسبة الأكبر من تنقّلات الناس بوسائل النقل المشترك، إذ يوجد نحو 16 ألف مركبة نقل جماعيّ خاصّ، مقابل 99 مركبة فقط للدولة تمّ تشغيلها في الأشهر الأخيرة. وفيما تبقى لهذه الباصات الرسميّة أهميّة رمزية، تبقى مخدوميّتها ضئيلةً جدًا وذات جدوى ضعيفة إذا ما وُضعت في مواجهة الحجم الحقيقي للاعتماد على السيارة أو حجم قطاع النقل المشترك الخاص، وهي، في جميع الأحوال، لا ترقى إلى مستوى بديل وطني فعّال. لذا أي خطة نقل مشترك حقيقية يجب أن تلحظ المركبات الجماعية الخاصة وتنظمّها وتدمجها وأي سياسة تتجاهل هذا الواقع ستكون أقرب إلى الوهم منها إلى الإصلاح.
ومن الإجراءات السهلة والفعّالة أيضًا تحديد فوريّ لخطوط واضحة وفعّالة للنقل المشترك، بحيث يصبح العرض مفهومًا ومتاحًا وقابلًا للاستخدام اليومي، إعطاء أولوية حقيقية للباصات والفانات في الشارع، ولو بأدوات مؤقتة ومنخفضة الكلفة، مثل ممرات أولوية بسيطة، ومحطات واضحة، وإشارات مؤقتة، ونقاط تحميل وتنزيل منظّمة. فالباص لا يمكن أن يكون بديلًا مقنعًا إذا بقي عالقًا في الازدحام نفسه الذي يعيق السيارات الخاصة. كذلك، فإن نشر خرائط موحّدة، ومواعيد تقريبية، وصفحات أو قنوات رقمية واضحة للمسارات والخطوط العاملة، قد يرفع قابلية استعمال النقل الجماعي بسرعة ومن دون استثمارات كبيرة، لأن جزءًا أساسيًا من أزمة النقل في لبنان لا يكمن فقط في ضعف العرض، بل أيضًا في غموضه وتشتته. وان تم ذلك بأمور بسيطة لباصات الدولة ال 99، الّا انه ان لم يشمل كل قطاع النقل المشترك (الخاص والعام) يبقى غير ذات جدوى. ولا ينبغي إغفال أهمية تحسين الوصول سيرًا إلى النقل الجماعي. فالنقل لا يبدأ عند ركوب الباص، بل من الطريق المؤدية إليه. والممرات الآمنة للمشاة، والإنارة، وتنظيم الوقوف العشوائي، وتحسين العبور حول المحطات، كلها عناصر بسيطة نسبيًا، لكنها حاسمة في جعل النقل الجماعي ممكنًا لفئات أوسع. وفي ذلك دور أساسي لوزارة النقل والبلديات لا سيما في المدن.
المطلوب اليوم وبشكل فوري ليس إنشاء خطوط نقل مشترك جماعي كالمترو أو سكك الحديد ولا إقرار استراتيجية نقل مشترك شاملة، بل إيجاد آلية تشغيل فعّالة ومنظّمة للباصات العامة، والباصات والفانات، والسرفيس الخاصة على خطوط واضحة، وتردّدات معلنة، وتعرفات ثابتة ومدعومة من الدولة، شرط أن يجري هذا كلّه ضمن آلية شفافة وواضحة يستفيد منها المشغّل والراكب مباشرة، لا من يملك المركبة أو النمرة الحمراء أو من نصّب نفسه متحدثًا باسم السائقين العموميين.
كذلك، تبدو حماية المحروقات المستخدمة للنقل الجماعي والخدمات الأساسية أكثر عقلانية من دعم السوق بأكملها، ولكن عبر تحديد أولويات استعماله: باصات النقل العام، نقل الطلاب، سيارات الإسعاف، شاحنات الغذاء والدواء،… وهذا النهج، وإن لم يكن حلًا شاملًا، يبقى أكثر قابلية للتنفيذ ماليًا من دعم جميع السيارات الخاصة. كما يمكن، في بعض الحالات دعم مباشر للمحروقات للأفراد والأسر من الفئات الأكثر تهميشًا بحسب الدخل، صعوبات التنقل، البعد عن المراكز، الحاجة الى التنقّل. كما يمكن وضع سقوف على استهلاك المحروقات مما يؤدّي إلى ضبط الحاجة للتنقّل والتحكّم بالكميّات المستهلكة (ونزيف الدولارات الناجم عنها) ووضع ضغط على استخدام السيارة نحو وسائل أخرى.
كما يمكن للمؤسسات العامة، والجامعات، والمدارس، والإدارات والشركات الكبرى، اعتماد أيام عمل أو تعليم هجينة، وساعات دخول متباينة، وتنظيم نقل جماعي للموظفين. فكل رحلة سيارة يجري الاستغناء عنها تخفف الضغط على الاستيراد، وعلى الطرقات، وعلى استهلاك الوقود في آن واحد. يتطلّب ذلك دعم أسعار الإنترنت وضمان خدمة جيّدة منه بالتنسيق بين القيّمين على قطاعي النقل والاتصالات وممثّلي موظفي القطاعين الخاص والعام.
ويمكن أيضًا اتخاذ تدابير أخرى صغيرة الأثر منفردة، لكنها مهمة إذا اجتمعت، مثل حملات دعائية تدعو لخفض السرعات قليلًا على بعض المحاور الرئيسيّة لتقليل استهلاك الوقود وتحسين السلامة أو صيانة السيارة وعجلاتها أو تشجيع التنقل الجماعي في المركبات الخاصة أو تقليل الحاجة الى التنقل أو الاستفادة القصوى من التنقلات عبر دمج أهدافها (التسوّق أو مرافقة أحد ما خلال التنقل إلى العمل مثلًا).
يهدف ذلك كلّه إلى إدارة الطلب على التنقّل نفسه كما جرى في العديد من الدول عبر إجراءات لا تقوم فعليًا على الدعم، بل على تقليل الحاجة إلى الرحلات. وقد لا تحلّ هذه الإجراءات أزمة النقل في لبنان اليوم، لكنها قد تمنع تحوّل صدمة الوقود إلى شللٍ اجتماعيّ شامل، وتفتح في الوقت نفسه نافذة لإعادة التفكير في التنقّل بوصفه حقًا عامًا، لا مجرد قدرة فردية على تعبئة السيارة. كما أنها قد تشكّل حجر أساسي حقيقي لتحسين جذري لاحقًا في هذا القطاع لا سيما في مرحلة إعادة الاعمار ما بعد الحرب.
والحرب هنا ليست حجة لعدم التحرّك، بل على العكس، قد تكون فرصة لفرض بدائل فعلية طال انتظارها. أساسًا، في الأزمات، كالحروب أو الجوائح، لا ينبغي النظر إلى النقل بوصفه خدمة ثانوية يمكن تأجيل النقاش فيها إلى ما بعد انتهاء الأزمة، بل بوصفه أحد شروط الصمود الاجتماعي نفسه. فإمكان التنقل هو ما يسمح بالوصول إلى العلاج، وتأمين الحاجات، والحفاظ على حدّ أدنى من التعليم والعمل، ومواصلة الروابط الاجتماعية والعائلية في لحظة اضطراب واسع. ومن هنا، فإنّ هشاشة نظام النقل لا تعني فقط مزيدًا من المشقّة، بل تعني أيضًا إضعاف قدرة المجتمع على التكيّف والاستمرار. وكلما تُركت مسألة التنقّل رهينة السيارة الخاصة والسوق والأسعار، باتت قدرة الناس على الصمود أكثر تفاوتًا، وأكثر ارتباطًا بالمقدرة الفردية بدل أن تكون محميّةً بضمانات عامّة.
وتبرز هنا مسألة لا تقلّ أهمية عن إدارة الأزمة الحالية، وهي أن تمرّ هذه الحرب كما مرّت سابقاتها وأزمات أخرى كجائحة كورونا أو الازمة المالية- الاقتصادية- الاجتماعية منذ 2019 من دون أي تغييرّ جذري في قطاع النقل والاستمرار بإعادة إنتاج النموذج نفسه الذي أثبت فشله: المزيد من تشجيع السيارة، والمزيد من توسيع الطرقات، والمزيد من إهمال النقل المشترك، باعتبار ذلك الحل الأسهل والأسرع.


Comments