نقاش هادئ حول الجدوى الاقتصاديّة للقطار في لبنان: فوائد القطار مقابل الخسائر الفادحة لـ “نظام السيارة”
- Ali El Zein - علي الزين

- Jan 23
- 13 min read
نُشر في المفكرة القانونية : 23/01/2026
في خلال أسابيع قليلة، قال وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني مرتين إنّ تشغيل القطار برأيه الشخصي “لا جدوى اقتصادية له حاليًا” في لبنان، وربط ذلك، في مقابلته الأخيرة، عمليًا بصعوبة إقفال الطريق الساحلي بين بيروت وجونيه لأنّ مساره قائم على أملاك السكك وما قد يسبّبه من ازدحام مروري.
هذا الكلام يستدعي الرد من زوايا عدّة: أوّلًا، في السياسات العامّة، لا تكفي عبارة من نوع “برأيي” لحسم ملف بنيوي كملفّ سكّة الحديد، خصوصًا حين تكون كلفة القرار (أو اللاقرار) موزّعة على الاقتصاد كلّه: وقت مهدور، حوادث، تلوّث، استيراد محروقات، تآكل إنتاجية، ولامساواة في الوصول إلى الفرص والخدمات. فالمعيار المتعارف عليه في وزارات الأشغال والنقل عالميًا هو الاحتكام إلى دراسات طلب ونمذجة حركة وتقييم كلفة – منفعة تشمل الكلفة الاستثمارية والتشغيلية، لكن أيضًا الكلف الخارجية (الازدحام، الحوادث، الانبعاثات، احتلال المساحات العامّة). ومن زاوية اقتصادية بحتة: كون الوزير رئيس مؤسسة خاصّة – وخاصةً في قطاع تنافسي كقطاع السيارات – لا شك أنّ شركته تُدار بالأرقام لا بالانطباعات. وعليه، القاعدة نفسها يجب أن تنطبق، وبأعلى صرامة، على إدارة مرفق عام له تأثير مباشر على حياة المقيمين وعلى الاقتصاد والمجتمع بشكل عام، كوزارة النقل.
ثانيًا، أشار الوزير إلى أنّ الطريق الساحلي المستخدم حاليًا يقع على أملاك السكك وأنّ إقفاله “مستحيل” لما يسبّبه من ازدحام. هذه نقطة واقعية من حيث أنّ أعمال البنى التحتية تُحدث اضطرابًا مؤقتًا. لكن اقتصاديًا، السؤال: هل ستكون هناك زحمة أثناء الأشغال؟ بل هل نقبل بزحمة مؤقتة مُدارة بخطة تحويلات وبدائل مقابل زحمة دائمة ومتفاقمة هي نتاج سياسة “لا بديل عن السيارة”. المنهج الصحيح هو تحويل هذا الاعتراض إلى خطة إدارة أشغال: تنفيذ مرحلي، أعمال ليلية حيث أمكن، تأمين مسارات بديلة، وتوسعة نقل جماعي مؤقّت (حافلات سريعة/ مسارات أولوية) لتقليل الألم الانتقالي. هذا ليس تبريرًا للقطار بلا شروط؛ بل شرط لنجاحه.
بكل الأحوال، هذا الطرح يستحق نقاشًا هادئًا غير شخصاني، لأنّ المسألة ليست “قطارًا مقابل وزير”، بل: كيف تُقاس الجدوى الاقتصادية لسياسة نقل وطنية في بلد يدفع أثمانًا باهظة لاعتماد شبه حصري على السيارة الخاصة؟
مفهوم “الجدوى الاقتصادية” في النقل
عند الحديث عن مشروع كالقطار، من الضروري التمييز بين مفهومَي الجدوى المالية والجدوى الاقتصادية. يُقصد بالجدوى المالية تقييم المشروع من منظور ضيّق يركّز على العوائد المباشرة مقابل التكاليف (أي الإيرادات المتوقعة مقارنة بالنفقات). على سبيل المثال، ينظر المستثمر إلى ما إذا كان تشغيل القطار سيولّد أرباحًا تغطّي كلفة الإنشاء والتشغيل. في المقابل، الجدوى الاقتصادية أوسع وأشمل؛ فهي تقيس الأثر الكلّي للمشروع على الاقتصاد والمجتمع، وتأخذ بالحسبان عوامل غير نقدية مباشرة مثل توفير الوقت، وخفض التلوّث، وتحسين السلامة المرورية… بمعنى آخر، قد لا يظهر القطار كاستثمار مالي مربح سريعًا، لكنه قد يكون مجديًا اقتصاديًا إذا تجاوزت منافعه (على صعيد الوطن والمجتمع) كلفته الإجمالية. إذًا، يحتاج تحليل المشاريع النقلية الكبرى كالقطارات إلى هذا التمييز المهم. فالدولة لا تنظر فقط إلى الربح المباشر من بيع التذاكر، بل إلى قيمة ما يوفّره المشروع من منافع عامّة. وفي حالة القطار، تشمل هذه المنافع تقليل الازدحام والوقت المهدور في الطرق، وخفض فاتورة استيراد الوقود، وتقليل حوادث السير وكلفتها البشرية والمادية، وتحسين جودة الهواء والصحة العامّة. هذه المؤثرات مجتمعة تدخل في تقييم الجدوى الاقتصادية، حتى لو كان المشروع يحتاج لدعم مالي حكومي لأنّه قد لا يحقّق أرباحًا تشغيلية فورًا.
كلفة الاعتماد المفرط على السيارة وغياب نقل عام فعّال
تُظهر الأرقام بوضوح الثمن الباهظ لاعتماد لبنان بصورة شبه كاملة على السيارة الخاصّة في غياب نظام نقل عام فعّال.
الازدحام المروري الذي أصبح سمة يومية خاصة في بيروت ومداخلها، ليس مجرد إزعاج بل له تكلفة اقتصادية ضخمة. قدّرت دراسة للبنك الدولي أنّ الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الاختناقات المروريّة تفوق ملياري دولار سنويًا أي ما يعادل 5% إلى 10% من الناتج المحلي1. إذ يفقد المواطنون ما يصل إلى 162% من وقت عملهم وهم عالقون في السير. هذه الخسارة تتمثل بوقت إنتاجي مهدور، يترجم بتراجع في الإنتاجية الوطنية وفرص العمل، فضلًا عن تأثيراته على صحة الأفراد النفسية والجسدية نتيجة الضغوط اليومية.
جانب آخر هو استهلاك الوقود. يعتمد النقل البري في لبنان على المركبات الخاصة بنسبة تقارب 100% من الوقود، مما يحمّل الاقتصاد عبئًا كبيرًا بالعملة الصعبة لواردات البنزين والديزل. تشير تقديرات البنك الدولي وإدارة الإحصاء المركزي إلى أنّ حوالي 15% من إنفاق الأسر اللبنانية يذهب لقطاع النقل، يذهب معظمها بشكل شبه كلّي إلى تكلفة امتلاك واستخدام السيارة الخاصة (شراء، وقود، صيانة، رسوم، …). وهو رقم شبيه بالمعدل في فرنسا مثلًا رغم الفوارق في مستوى المداخيل، حجم الاقتصاد، تكلفة النقل، المساحة ومسافات التنقل. وهو ما يعني أنّ الاعتماد على السيارة وغياب النقل العام يستنزف ميزانيات الأسر ويقلّل من قدرتهم على الإنفاق في مجالات أخرى. وذلك ما أثبتته دراسة قمنا بها خلال الأزمة الاقتصادية الحالية تظهر أنّ بعض الأسر تقوم بالمفاضلة بين النقل وباقي المصاريف المعيشية (تغذية، طبابة، تعليم، …).
لهذا الاعتماد المفرط على السيارات الخاصّة أثر سلبي أيضًا على ميزان المدفوعات في البلاد؛ فاستيراد كمّيات هائلة من الوقود والمركبات سنويًا يزيد العجز التجاري. تشير التقديرات إلى أنّه بين 3 إلى 4 مليار دولار (حوالي ثلث استيرادنا) تخرج من اقتصادنا سنويًا لقاء استيراد المحروقات والسيارات وقطعها وتوابعها. على سبيل المثال، أي خفض في استخدام السيارات لصالح القطارات أو الحافلات سيؤدي إلى خفض ملموس في فاتورة الاستيراد وتحسين نسبي في الميزان التجاري.
ولا يمكن إغفال الثمن البشري والمادي لـحوادث السير. فمع تزايد عدد المركبات وسوء إدارة البنى التحتية وغياب بدائل النقل، شهد لبنان ارتفاعًا في معدلات الحوادث المرورية. البيانات المتوفرة تفيد بأن أكثر من 1000 شخص3 يلقون حتفهم سنويًا على طرقات لبنان نتيجة الصدامات المرورية، إضافة إلى آلاف الإصابات. هذا الرقم المرتفع يعني كلفة باهظة من الخسائر البشرية، عدا الأعباء الاقتصادية على النظام الصحي وخسارة موارد بشرية منتجة. غياب القطار كخيار نقل آمن وموثوق يسهم بشكل غير مباشر في استمرار هذه الحصيلة الثقيلة، إذ يضطر ملايين الأشخاص لاستخدام الطرق المزدحمة والخطرة يوميًا. وتقدّر تكلفة هذه الصدامات المباشرة وغير المباشرة بحوالي 1% الى 2% من الناتج المحلي عدا عن الخسارات المعنوية والنفسية، خسارة الإنتاجية، …
أما التلوّث البيئي، فإنّ قطاع النقل البري هو أحد أكبر الملوّثين في لبنان. تشكّل الأضرار الناجمة عن هذا التلوّث حوالي 1% إلى 2% من الناتج المحلي فيما تشير التقديرات إلى أنّ حوالي رُبع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في لبنان تأتي من قطاع النقل4، ما يجعل المركبات الخاصة مصدرًا رئيسيًا لغازات الدفيئة المسبّبة للتغيّر المناخي. هذا عدا عن ملوّثات الهواء المحلية (كالجسيمات الدقيقة وأكاسيد النيتروجين) التي تنفثها عوادم السيارات، مسبّبة تدهورًا في نوعيّة الهواء خصوصًا في المدن. وقد صنّفت دراسات بيئية قطاع النقل البري كمساهم رئيسي في تلوّث هواء بيروت والمناطق الحضرية، مما يزيد من معدلات الأمراض التنفسية والقلبية بين السكان. إنّ عدم وجود شبكة قطارات أو نقل عام نظيف يعني استمرار اعتمادنا على المحرّكات التقليدية، وبالتالي استمرار هذا التدهور البيئي والصحّي. وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ حلّ هذه المعضلة لا يكون عبر استبدال أسطول السيارات الحرارية بأخرى كهربائية أو هجينة. ذلك هو الجزء الأسهل والأقلّ فعالية مقارنة بما يمكن أن نحصّله في حال تقليل الاعتماد على السيارات بشكل كبير والانتقال إلى وسائل نقل أكثر استدامة، لا سيما النقل العام الجماعي والتنقل السلس.
أيضًا، نموذج السيارة يستهلك المساحات العامّة والخضراء لتحويلها لشوارع وأوتوسترادات ومواقف وبنى تحتية أخرى للسيارة. ومؤدّى ذلك خسارة هذه المساحات وتمدّد عمراني غير منتظم ومكلف، فضلًا عن التأثير على سعر الأراضي والعقارات بطريقة غير علميّة، ممّا يدرّ أرباحًا ريعيّة إلى جيوب قلّة على حساب المجتمع. كما أنّه يؤدي إلى تكلفة مباشرة في إنشاء وصيانة الطرق، ما يرفع كلفة السكن والأنشطة ويقضم من الأرض المتاحة للاستثمار المنتج.
اقتصاد السيارة يعاقب من لا يملك سيارة: الطلاب، كبار السن، ذوو الدخل المحدود، وذوو الإعاقة—ويحوّل “الحق في الوصول” إلى “قدرة على الدفع”. ارتفاع إنفاق الأسر على النقل (قرابة 15%) في غياب بدائل موثوقة هو علامة على هذه اللامساواة.
باختصار، ثمن الوضع الراهن الذي يعتمد حصريًا على السيارات مرتفع جدًا: مليارات الدولارات تهدر سنويًا، أرواح تُفقَد على الطرق، ومستويات معيشة وصحة تتأثر سلبًا. هذه الخسائر “الخفيّة” يجب وضعها في الحسبان عند تقييم أي استثمار في النقل العام كالقطار. فالقول إنّ “القطار غير مجدٍ” يغفل تمامًا هذه الكلفة الضخمة التي ندفعها اليوم نتيجة غيابه.
القطار مقابل السيارة: الانبعاثات والأمان والقدرة الاستيعابية
إذا وضعنا الأداء البيئي والتقني للقطار في كفة، والسيارة الخاصّة في كفة أخرى، تتّضح أفضلية القطار من عدة جوانب.
من حيث الانبعاثات الكربونية لكل راكب-كيلومتر، يتفوّق القطار بوضوح. تُظهر بيانات دولية أنّ انبعاثات الراكب الواحد في القطار تقارب ما معدله 20% فقط مما يصدر عن السيارة الخاصة لقطع نفس المسافة نفسها5. بمعنى آخر، إذا أنتجت سيارة ركّاب كمّية معيّنة من ثاني أكسيد الكربون لنقل شخص واحد لمسافة كيلومتر، فإنّ القطار ينتج خُمس هذه الكمية لنقل الراكب نفسه تلك المسافة. بل إنّ التحوّل من السيارات إلى وسائل النقل العام (قطارات أو باصات) يمكن أن يخفّض إجمالي الانبعاثات لكلّ كيلومتر بنسبة تصل إلى ثلثي الانبعاثات6 مقارنة بالوضع الحالي. هذا الفارق يعود إلى عوامل عدة: كفاءة القطار في استهلاك الطاقة (خصوصًا القطارات الكهربائية الحديثة)، وإمكانية نقل أعداد كبيرة من الركاب دفعة واحدة، إضافة إلى أنّ القطارات يمكن أن تعمل على كهرباء من مصادر نظيفة مستقبلًا، ما يجعلها أكثر ملاءمة للبيئة على المدى الطويل. على سبيل المثال، يبلغ عامل القطار الوطني نحو 35 غرامًا من ثاني أوكسيد الكربون لكل راكب- كيلومتر. وللمقارنة، تُظهر الجداول نفسها أن سيارة صغيرة قد تقارب 0.14 كغ لكل كيلومتر-مركبة. ومع معدلات إشغال منخفضة شائعة (راكب واحد أو اثنان)، تتحول هذه القيمة إلى عشرات أو أكثر من ثاني أوكسيد الكربون لكل راكب-كيلومتر أي أعلى من القطار بعدة مرات.
السلامة المرورية هي ميزة جوهرية أخرى لصالح القطار. كل الإحصاءات العالمية تشير إلى أن السفر بالقطار أكثر أمانًا بكثير من التنقل بالسيارة. فعلى سبيل المثال، أظهرت بيانات من الولايات المتحدة أنّ معدّل الوفيات لكلّ ميل سفر للسيارات أعلى بحوالي 17 ضعفًا مقارنة بمعدلها في القطارات. وبصيغة أخرى، احتمال التعرّض لحادث مميت أثناء قيادة السيارة يفوق نظيره أثناء ركوب القطار بعشرات المرّات. ويؤكّد خبراء النقل أنّ أنظمة النقل الجماعي (كالقطارات والمترو والحافلات الكبيرة) تحقق معدلات أمان أفضل لأنّها تخضع لمعايير سلامة صارمة وتدار مركزيًا، ولا تتأثر بتهوّر سائق فرد كما هو الحال في الطرق. وعليه، فإنّ انخفاض الاعتماد على السيارة الخاصة عبر توفير خيار القطار سيؤدي منطقيًا إلى انخفاض عدد الحوادث والإصابات على الطرق، ما يعني أيضًا توفيرًا في فاتورة الاستشفاء والتأمين وخسائر الممتلكات.
من زاوية القدرة الاستيعابية، يتفوّق القطار بشكل واضح على البنية التحتية التقليدية للطرق. إنّ خط سكة حديد واحد يمكنه نقل عدد من الركاب يفوق بكثير ما تنقله حارة مرورية واحدة في الأوتوستراد. التقديرات الهندسية تشير إلى أن سكة حديد خفيفة يمكن أن تستوعب حوالي 12 ألف راكب في الساعة بالاتجاه الواحد عند تشغيل قطارات متعددة العربات بتواتر مرتفع. للمقارنة، أقصى ما تستوعبه حارة طريق سيارة هو تقريبًا 2000 مركبة في الساعة قبل أن يبدأ التزاحم الشديد. وباعتبار أنّ مُعَدَّل ركاب السيارة في لبنان نحو 1.2 راكب فقط لكل سيارة في أوقات الذروة، فإن 2000 مركبة تعادل حوالي 2400 شخص كحد أقصى. أي أنّ الخط الحديدي يستطيع نقل ما يقارب خمسة أضعاف ما تنقله حارة الطريق من الأشخاص في نفس الوقت، وبكفاءة أعلى ومساحة أرضية أقل. هذا الفارق الجوهري يعني أنه بدلاً من توسيع الأوتوسترادات إلى عدة خطوط لتستوعب حركة السيارات المتنامية (وما يرافق ذلك من كلفة هائلة واستملاكات)، يمكن لقطارين في ساعة الذروة على سكة مزدوجة أن يقوما بالمهمة بفعالية.
القطار لا “يسحب” فقط ركابًا من السيارات، بل يخلق موثوقية زمنية (رحلة بوقت شبه ثابت) وهو عامل اقتصادي مباشر للشركات والعمال. كما أن أي تحويل ولو جزئي من السيارة إلى النقل الجماعي يُحسن انسياب الطرق لمن يبقون مضطرين للقيادة (نقل بضائع، طوارئ، خدمات).
إضافة إلى ما سبق، للقطار أفضلية في استغلال الطاقة. فاحتكاك عجلاته الحديدية بالسكة أقل من احتكاك عجلات السيارات بالإسفلت، ما يقلل فاقد الطاقة في الحركة. والقطارات الحديثة مزوّدة غالبًا بأنظمة كبح متجددة تعيد الطاقة الكهربائية إلى الشبكة عند التخفيف من السرعة، مما يزيد الكفاءة الإجمالية. أما السيارات، فإن كل مركبة تهدر الطاقة الحرارية في المكابح بصورة منفصلة ولا يمكنها استرجاعها بشكل فعّال. من هنا، حتى من منظور استهلاك الوقود أو الكهرباء، يبقى القطار أقل تكلفة للوطن ككل لكل راكب من السيارة الخاصة.
شبكة نقل متكاملة: عائد اقتصادي واجتماعي
إذا نظرنا إلى تجربة الدول التي طوّرت نظم قطارات متقدمة، نجد أن القطار يشكّل استثمارًا ذا عائد طويل الأجل يفوق بكثير عائد المشاريع الطرقية التقليدية عند احتساب المنافع المجتمعية.
شبكة القطارات بحدّ ذاتها تُولّد منافع اقتصادية مباشرة (مثل تشغيل الأيدي العاملة خلال الإنشاء والتشغيل، وتنشيط صناعات الصلب والهندسة وغيرها)، ولكن الأهمّ هو المنافع غير المباشرة. فعندما يُتاح لسكان لبنان وسيلة نقل عامة سريعة وموثوقة كالقطار، ستحدث تغيرات ملموسة في الاقتصاد: سينخفض هدر الوقت في التنقل اليومي، مما يعني زيادة وقت الفراغ أو العمل للمواطن؛ وستقل كلفة التنقل على الأسر فيوفرون جزءًا من دخلهم لإنفاقه في قطاعات أخرى؛ وستتحسن إنتاجية القوى العاملة التي كانت تُنهكها قيادة السيارة لساعات يوميًا.
من الناحية الاجتماعية والتنموية، يُساهم القطار في تقليل الفوارق بين المناطق. فمثلًا، إذا تم ربط بيروت بالشمال أو بالبقاع عبر سكة حديد حديثة، سيتيح ذلك انتشارًا أكثر توازنًا للأنشطة الاقتصادية والسكانية. حاليًا، يتركز العمل والخدمات في العاصمة، مما يضطر آلاف المواطنين للتنقل يوميًا من وإلى ضواحي بعيدة. وجود قطار ضمن شبكة متكاملة (تتضمن محطات ربط مع حافلات ووسائل نقل محلية) سيسمح بتنمية الضواحي والأطراف عبر تسهيل الوصول إلى فرص العمل والتعليم والخدمات دون تكبد عناء السفر. هذا يعزّز ما يسمى بـ”عدالة النقل”، حيث يحصل غير المقتدرين على سيارة على وسيلة فعالة للتنقل، ما يفتح لهم أبواب المشاركة الاقتصادية والاجتماعية. من زاوية أخرى، النقل العام يحفّز أنماط حياة أكثر استدامة؛ إذ أنّ زيادة ركوب القطار والمشي من وإلى المحطات تعني مجتمعات أكثر نشاطًا وصحة وأقل اعتمادًا على الوقود الأحفوري.
من الناحية الاقتصادية البحتة، عندما نضع التكاليف والفوائد في ميزان واحد، تظهر جدوى القطار كاستثمار عام. صحيح أن تكاليف إنشاء سكك الحديد وشراء القطارات وتشغيلها عالية، لكن هناك في المقابل عوائد غير منظورة كبيرة. مثلاً، تقليل حوادث السير يوفر مليارات من فاتورة العلاج والتعويضات والخسائر البشرية على مدى سنوات. تحسين جودة الهواء يقلّل الأمراض والنفقات الصحية ويحسّن إنتاجية العاملين (إذ تشير دراسات دولية إلى أن تلوث الهواء يخفض الإنتاجية ويرفع تغيب الموظفين بسبب المرض). كذلك، أي انخفاض في استيراد الوقود نتيجة التحوّل إلى النقل الكهربائي (القطارات الكهربائية) سيحتفظ بالعملة الصعبة داخل البلد ويمكن توجيهها لاستثمارات أخرى. كما أن مشاريع النقل العام الضخمة تساهم في تنشيط الدورة الاقتصادية عبر خلق فرص عمل مباشرة؛ فمشروع البنك الدولي للباص السريع في بيروت مثلًا وُضِع لتأمين مليوني يوم عمل خلال الإنشاء1، وبالمثل فإن مشروع القطار سيخلق وظائف في البناء والتشغيل والصيانة على امتداد عمره التشغيلي. كل هذه العوامل عند تقييمها كمردود اجتماعي-اقتصادي، تجعل نسبة العائد الداخلي الاقتصادي لمشاريع القطارات مرتفعة في الكثير من الحالات، حتى لو كانت نسبة العائد المالي متواضعة أو سالبة في البداية.
النقطة المهمة هي أن النظر إلى القطار يجب أن يتم ضمن رؤية شبكة نقل متكاملة.
فالقطار وحده ليس حلًا سحريًا، بل هو العمود الفقري الذي يتكامل مع أنماط نقل أخرى. على سبيل المثال، يمكن تصميم محطات القطار بشكل يتيح الربط مع خطوط حافلات تغذي الأحياء المجاورة، ومواقف للسيارات ليستطيع سائقو السيارات ترك مركباتهم واستخدام القطار لباقي الرحلة. كذلك، يجب أن يترافق الاستثمار في القطار مع تحسين الأرصفة وسبل التنقل السلس (المشي والدراجات) حول المحطات. هذا التكامل يضمن تحقيق أقصى استفادة من القطار وزيادة إقبال الناس عليه، مما يرفع جدواه الاقتصادية أكثر فأكثر. إن التجارب العالمية تثبت أن كل دولار يُستثمر في النقل العام يعود بفوائد تتجاوز قيمته عند شمول آثار توفير الوقت والوقود وتحسين الصحة العامة وتقليل الحوادث.
نحو تطبيق مرحلي: من التجربة إلى التوسعة
على الرغم من كل ما سبق، قد يتساءل البعض: كيف نبدأ عمليًا في لبنان؟ الإجابة تكمن في اتباع نهج تدريجي ومدروس لتنفيذ مشروع القطار. عوض القفز إلى خطة شاملة ومكلفة لشبكة سكك حديدية تغطي البلد بأكمله دفعةً واحدة، يمكن تبنّي فكرة المراحل التجريبية القابلة للتقييم والتعديل قبل التوسّع. هذا النهج المُنظّم يتيح اختبار جدوى القطار فعليًا على الأرض، وبناء ثقة الجمهور والمسؤولين بنتائجه خطوة بخطوة.
الخطوة الأولى المقترحة هي اختيار مشروع ريادي ذو فرص نجاح عالية نسبيًا: مسار قصير أو متوسط يربط بين عقد نقلية مهمة تشهد طلبًا كبيرًا وحركة مرور كثيفة. على سبيل المثال، جرى الحديث مرارًا عن إعادة تأهيل خط القطار من بيروت إلى منطقة شتورة في البقاع عبر نفق حديث، أو إحياء جزء من الخط الساحلي الشمالي من بيروت إلى جونية ثم طرابلس. يمكن البدء بمقطع محدود من أحد هذه الخطوط حيث البنية التحتية القديمة موجودة جزئيًا والمسارات ممكن إعادة استخدامها، أو حيث يمكن للقطار اختصار زمن رحلة يقطعها المواطنون اليوم بساعات في السيارة. مشروع مثل ربط مرفأ طرابلس بمنطقة الحدود الشمالية تم طرحه أيضًا في دراسات حديثة، بهدف تحسين حركة الشحن وربط لبنان بالسوق السورية والعربية. تنفيذ مرحلة أولى في أحد هذه الخطوط (مثلاً تشغيل قطار شحن وتجربة قطار ركاب بشكل محدود) قد يشكّل نموذجًا يُبنى عليه. يستوجب ذلك، بكل الأحوال التدقيق في حق المرور (Right of way) : أين يمكن فعليًا استعادة أملاك السكك الحديد؟ وأين تُستخدم حلول هندسية تقلل الإقفال؟
خلال المرحلة التجريبية، يجب وضع معايير تقييم واضحة للنجاح: أرقام الركاب المنقولين يوميًا، مقدار التوفير في وقت الرحلات مقارنة بالسيارة، انخفاض عدد السيارات على الطريق الموازي، رضى المستخدمين عن الخدمة، وغيرها من المؤشرات القابلة للقياس. بعد تشغيل المشروع لفترة كافية (مثلاً سنة أو اثنتين)، تُجمع البيانات ويتم تحليلها بشكل علمي. إذا أثبتت النتائج ما هو متوقع – من انخفاض الزحمة والتلوث في المنطقة المخدومة وتحقيق راحة للمواطنين – عندها تُتّخذ خطوة التوسعة بثقة أكبر. التوسعة قد تكون بتمديد الخط ذاته إلى مناطق أبعد، أو تكرار التجربة في محور آخر يعاني من اختناقات مرورية (مثل ربط بيروت بالجنوب أو توسيع الربط مع البقاع). وهكذا، يتحقق انتشار الشبكة الحديدية على مراحل مدروسة بدلًا من قفزة غير مضمونة. لضمان فعالية أكبر لهذه الخطوة من الأفضل إقامة دراسات واستبيانات تظهر حالة قطاع النقل وعادات التنقل قبل إطلاق مشروع القطار والنقل العام الجماعي (توفيرًا للوقت يمكن إعداد هذه الدراسات بالتوازي مع الاعمال الهندسية للانشاء).
خلال هذه العملية، ينبغي إشراك القطاع الخاص والهيئات التمويلية الدولية بحذر وتخطيط. فنجاح المرحلة الأولى سيجذب مستثمرين وشركاء للمراحل اللاحقة إذا ما وُضعت أطر الشراكة بين القطاعين العام والخاص بشكل شفاف وفعال. وقد صدر في لبنان قانون لتنظيم هذه الشراكة بين القطاع الخاص والعام بهدف جذب رؤوس الأموال الخاصة إلى مشاريع البنية التحتية، مما يمكن الاستفادة منه لتخفيف العبء التمويلي عن الدولة عند الانشاء أو التوسعة. لكن تبقى الدولة هي الجهة الضامنة والمسؤولة عن ضمان أن هدف المشروع اجتماعي واقتصادي بالدرجة الأولى وليس مجرد ربح تجاري. لذا، ربما يتطلب الأمر دعمًا تشغيلًا في البدايات (كتحمل الدولة جزءًا من كلفة التذكرة أو التشغيل) إلى حين تصل الخدمة لكتلة حرجة من المستخدمين تجعلها أكثر استدامة ماليًا.
أخيرًا، من المهم جدًا مرافقة مراحل تنفيذ القطار بحملة توعية عامة وترويج إيجابي للنقل العام. وبالطبع، فإن تغير السلوك المجتمعي المتأقلم منذ عقود على السيارة الخاصة لن يحصل بين ليلة وضحاها. لكن عرض نتائج المرحلة التجريبية بشفافية، مثل عدد ساعات الانتظار التي وفرها القطار على الركاب، أو انخفاض فاتورة البنزين على جيوب المواطنين، أو حتى قصص نجاح لأشخاص وجدوا عملاً بفضل تنقلهم بسهولة عبر القطار، سيساعد في بناء ثقافة جديدة تقدّر قيمة النقل المشترك. هذا الدعم الشعبي سيكون عنصرًا حاسمًا لضمان استمرارية المشروع ومناصرة توسعته سياسيًا وماليًا.
رؤية موضوعية لمستقبل النقل
لا شك أن إعادة إحياء القطار في لبنان تواجه تحديات جمّة، من الواقع المالي الصعب إلى تعقيدات التنفيذ الفني والمؤسسي. ورغم ذلك، تظهر القراءة العلمية للوقائع والأرقام أن للقطار جدوى اقتصادية واجتماعية كبيرة، يغفلها من يكتفي بنظرة سطحية على الجدوى المالية المباشرة. إن سياسة النقل الحالية القائمة على المركبة الخاصة كلّفت البلد أثمانًا طائلة، بشكل مزدحم وغير مرئي أحيانًا، من تباطؤ في النمو وهدر للوقت والموارد وأرواح تُفقَد وتلوّث يتفاقم.
المقاربة السليمة تتمثل في إصلاح هيكلي لمنظومة النقل، يضع القطار في قلب الحلّ مدعومًا ببقية عناصر النقل العام. البديل سهل وواضح: منح الناس خيارًا عمليًا يزيحهم عن اعتماد السيارة الفردية، وهذا الخيار هو القطار والحافلة وخطوط النقل الجماعي المنظمة. لقد آن الأوان لتغيير مقاربات راسخة والتركيز على رؤية مستقبلية يكون فيها التنقل أكثر كفاءة وأمانًا واستدامة. وفي هذه الرؤية، يلعب القطار دورًا أساسيًا كبنية تحتية استراتيجية ترفع تنافسية الاقتصاد وتحسّن نوعية الحياة لجميع المواطنين.
بالطبع، النجاح يتطلّب إدارة علمية وتنفيذًا شفافًا وإرادة سياسية مستمرة. لكن الأدلة من حول العالم، وحتى من دراسات محلية، تشير بوضوح إلى أن فوائد القطار تتجاوز تكلفته بمراحل عند النظر للصورة الكبرى. من تقليل خسائر الناتج المحلي بسبب الزحمة، إلى خفض انبعاثات الكربون وآلاف الأطنان من الملوثات، وإنقاذ أرواح وتقليل الإصابات على الطرق، كلها عوائد مجتمعية تستحق الاستثمار. فليكن الحوار مبنيًا على الوقائع والدراسات لا على الانطباعات السطحية؛ ولتكن مقاربة مشروع القطار عقلانية بعيدة عن الشخصنة، تركز على المصلحة الاقتصادية العامة. عندها فقط، يمكن لقطار لبنان أن ينطلق على سكة صحيحة، حاملًا معه وعدًا بمستقبل أكثر ازدهارًا وأمانًا واستدامة.
لقراءة المقال بالإنكليزية، أنقر هنا.
World Bank (2018). World Bank Supports Lebanon’s Public Transport to Improve Mobility, Spur Growth. Press release ↩︎
Harrouk Tony (2019). Can Congestion Charging be a Solution to Beirut’s Chronic Traffic Problem?. IRPJ. ↩︎
[3] الأرقام الرسمية تشير الى حوالي 550 قتيل نتيجة الصدامات المرورية، الا انه تشير التقديرات الى انه يجب مضاعفة هذا الرقم حيث ان عدد كبير من الوفيات الناجمة عن صدامات مرورية لا يتم تسجيلها في هذه الخانة لعدة عوامل. ↩︎
Lebanon LB: CO2 Emissions from Transport: % of Total Fuel Combustion ↩︎
Hannah Ritchie (2023) – “Which form of transport has the smallest carbon footprint?” Published online at OurWorldinData.org. Retrieved from: https://archive.ourworldindata.org/20251125-173858/travel-carbon-footprint.html ↩︎
[6] Ben Well, Anna Kustar, Thet Hein Tun, Cristina Albuquerque (2023). Post-Pandemic, Public Transport Needs to Get Back on Track to Meet Global Climate Goals


Comments